مفتاح دار السعادة

والثاني: من ألقى السمعَ وحَضَرَ بقلبه ولم يَغِب، فهو حاضرُ القلب شاهِدُه لا غائبُه.

وهذا ــ والله أعلم ــ سرُّ الإتيان بـ ﴿أَوْ﴾ دون الواو؛ لأنَّ المنتفِعَ بالآيات من الناس نوعان:

أحدهما: ذو القلب الواعي الزَّكيِّ الذي يكتفي بهدايته بأدنى تنبيه، ولا يحتاجُ أن يَسْتَجْلِبَ قلبَه ويُحْضِرَه ويجمعه من مواضع شَتاته، بل قلبُه واعٍ زكيٌّ قابلٌ للهدى غير معرضٍ عنه؛ فهذا لا يحتاجُ إلا إلى وصول الهدى إليه فقط؛ لكمال استعداده وصحَّة فطرته، فإذا جاءه الهدى سارع قلبُه إلى قبوله، كأنه كان مكتوبًا فيه، فهو قد أدركه مجملًا ثمَّ جاء الهدى بتفصيل ما شهدَ قلبُه بصحَّته مجملًا. وهذه حالُ أكمل الخلق استجابةً لدعوة الرسل، كما هي حالُ الصِّدِّيق الأكبر ﵁.

النوع الثاني: من ليس له هذا الاستعدادُ والقبول؛ فإذا وردَ عليه الهدى أصغى إليه بسمعه، وأحضَرَ قلبَه وجَمَعَ فكرتَه عليه، وعلم صحَّته وحُسْنَه بنظره واستدلاله. وهذه طريقةُ أكثر المستجيبين، ولهم نُوِّعَ ضربُ الأمثال، وإقامةُ الحُجَج، وذِكْرُ المعارضات والأجوبة عنها.

والأوَّلون: هم الذين يُدْعَوْنَ بالحكمة، وهؤلاء: يُدْعَوْنَ بالموعظة الحسنة. فهؤلاء نوعا المُستجيبين.

وأمَّا المعارضون الدافعون للحقِّ١، فنوعان: نوعٌ يُدْعَوْنَ بالمجادلة بالتي هي أحسن، فإن استجابوا وإلا فالمُجَالَدة؛ فهؤلاء لا بدَّ لهم من جدالٍ

  1. (١) (ح، ن): «المدعون للحق».
490

أو جِلَاد١.

ومن تأمَّل دعوةَ القرآن وجدها شاملةً لهؤلاء الأقسام، متناولةً لها كلِّها؛ كما قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]؛ فهؤلاء المدعوُّون بالكلام.

وأمَّا أهلُ الجِلَاد، فهم الذين أمر اللهُ بقتالهم حتى لا تكون فتنةٌ ويكون الدِّينُ كلُّه لله.

وأمَّا من فسَّر الآيةَ بأنَّ المرادَ بـ ﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ هو المستغني بفطرته عن علم المنطق، وهو المؤيَّدُ بقوَّةٍ قُدسيَّة ينالُ بها الحدَّ الأوسط بسرعة؛ فهو لكمال فطرته مُسْتَغْنٍ عن مراعاة أوضاع المنطق، والمرادَ بمَنْ ﴿أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ من ليست له هذه القوَّة؛ فهو محتاجٌ إلى تعلُّم المنطق ليوجبَ له مراعاتُه وإصغاؤه إليه أن لا يزيغ في فكره، وفسَّر قولَه: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ﴾ أنها القياسُ البرهاني، و﴿وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ القياس الخَطابي، ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ القياس الجَدَلي= فهذا ليس من تفاسير الصحابة ولا التابعين ولا أحدٍ من أئمَّة التفسير، بل ولا من تفاسير المسلمين، وهو تحريفٌ لكلام الله تعالى، وحملٌ له على اصطلاح المنطقيَّة المبخوسة الحظِّ من العقل والإيمان٢.

  1. (١) فالنوع الأول: أهل الجدال. والثاني: أهل الجِلاد. وانظر: «الصواعق المرسلة» (١٢٧٦)، و«الفروسية» (٨٣، ٨٤)، و«هداية الحيارى» (٢١).
  2. (٢) ذكر هذا التفسير ابنُ رشد في «فصل المقال» (١٧) [ونقله ابن عرفة في تفسيره (٣/ ٥٦) عن كتاب "الاقتصاد" للغزالي، ولم أجده فيه].
491

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي