مفتاح دار السعادة

وهذا من جنس تفاسير القرامطة والباطنية وغلاة الإسماعيلية لِمَا يفسِّرونه من القرآن وينزِّلونه على مذاهبهم الباطلة، وكذلك تفسيرُ الجهمية والمعتزلة والرافضة للآيات التي ينزِّلونها على أقوالهم الباطلة١ والقرآن بريءٌ من ذلك كلِّه، منزَّهٌ عن هذه الأباطيل والهذيانات.

وقد ذكرنا بطلانَ ما فسَّر به المنطقيُّون هذه الآية التي نحن فيها والآية الأخرى في موضعٍ آخر من وجوهٍ متعدَّدة، وبيَّنَّا بطلانَه عقلًا وشرعًا ولغةً وعُرفًا، وأنه يتعالى كلامُ الله عن حمله على ذلك٢. وبالله التوفيق.

والمقصودُ بيانُ حرمان العلم من هذه الوجوه الستة:

أحدها: تركُ السؤال.

الثاني: سوءُ الإنصات وعدمُ إلقاء السمع.

الثالث: سوءُ الفهم.

الرابع: عدمُ الحفظ.

الخامس: عدمُ نشره وتعليمه؛ فإنَّ من خَزَنَ علمَه ولم ينشره ولم يعلِّمه ابتلاه الله بنسيانه وذهابه منه؛ جزاءً من جنس عمله، وهذا أمرٌ يشهدُ به الحسُّ والوجود.

  1. (١) من قوله: «وكذلك تفسير الجهمية» إلى هنا ليس في (ح، ن).
  2. (٢) انظر: «الرد على المنطقيين» (٤٤١، ٤٤٤ - ٤٤٧، ٤٦٧ - ٤٦٩)، و«مجموع الفتاوى» (٢/ ٤٢، ٤٤ - ٤٦، ١٩/ ١٦٤).
    ولم أجد الموضع الذي أشار إليه المصنف هنا في كتبه، وقد أشار إليه كذلك في «مدارج السالكين» (١/ ٤٤٦).
492

السادس: عدمُ العمل به؛ فإنَّ العملَ به يوجبُ تذكُّرَه وتدبُّرَه ومراعاتَه والنظرَ فيه، فإذا أهملَ العملَ به نسيه.

قال بعضُ السلف: «كنا نستعينُ على حفظ العلم بالعمل به»١.

وقال بعضُ السَّلف أيضًا: «العلم يهتفُ بالعمل، فإن أجابه حَلَّ وإلا ارتحل».

فالعملُ به من أعظم أسباب حفظه وثباته، وتضييعُ العمل به إضاعةٌ له؛ فما استُدِرَّ العلمُ ولا استُجلِبَ بمثل العمل، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ [الحديد: ٢٨].

وأما قولُه تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فليس من هذا الباب، بل هما جملتان مستقلَّتان: طلبيَّة؛ وهي الأمرُ بالتقوى، وخبريَّة؛ وهي قولُه تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾، أي: والله يعلِّمُكم ما تتقون. وليست جوابًا للأمر، ولو أريد بها الجزاءُ لأُتِيَ بها مجزومةً مجرَّدةً عن الواو، فكان يقول: «واتقوا الله يعلِّمْكم»، أو: «إن تتقوه يعلِّمْكم»، كما قال: ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: ٢٩]، فتدبَّره٢.

الوجه الرابع والأربعون بعد المئة: أنَّ الله سبحانه نفى التسويةَ بين العالِم وغيره، كما نفى التسويةَ بين الخبيث والطيِّب، وبين الأعمى والبصير،

  1. (١) تقدم تخريجه والذي يليه (ص: ٢٧٥).
  2. (٢) انظر: «مجموع الفتاوى» (١٨/ ١٧٧)، و«الموافقات» (٥/ ٢٨٣)، و«البرهان» للزركشي (٤/ ١٤٣).
493

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي