وبين النُّور والظُّلمة، وبين الظِّلِّ والحَرُور، وبين أصحاب الجنة وأصحاب النار، وبين الأبكم العاجز الذي لا يَقْدِرُ على شيءٍ ومن يأمُرُ بالعدل وهو على صراطٍ مستقيم، وبين المؤمنين والكفار، وبين الذين آمنوا وعملوا الصالحات والمفسدين في الأرض، وبين المتَّقين والفجَّار.
فهذه عشرةُ مواضع في القرآن١ نفى فيها التسويةَ بين هؤلاء الأصناف، وهذا يدلُّ على أنَّ منزلة العالِم من الجاهل كمنزلة النُّور من الظُّلمة، والظِّلِّ من الحَرُور، والطيِّب من الخبيث، ومنزلة كلِّ واحدٍ من هذه الأصناف مع مُقابِله.
وهذا كافٍ في شرف العلم وأهله.
بل إذا تأمَّلتَ هذه الأصنافَ كلَّها وجدتَ نفيَ التسوية بينها راجعًا إلى العلم ومُوجَبه؛ فبه وقع التفضيلُ٢ وانتفت المساواة.
الوجه الخامس والأربعون بعد المئة: أنَّ سليمان لما تواعَد٣ الهدهدَ بأن يعذِّبه عذابًا شديدًا أو يذبحه، إنما نجا منه بالعلم، وأقْدَمَ عليه في خطابه
(٣) (ق، ح، ن): «توعد». والمثبت من (د، ت). أي: تهدَّده. وهي لغةٌ فصيحةٌ أخلَّت بها المعاجم، ووردت كثيرًا في كلام الصدر الأول فمن بعدهم. انظر: «موطأ مالك» (١٠٠٩)، و«مصنف عبد الرزاق» (١٠٧٨٨، ١٧١٠٣)، و«أخبار مكة» للفاكهي (١٦٥٩، ٢١٦٢)، و«سنن البيهقي» (٧/ ٢٠٩)، و«عون المعبود» (٣/ ٩٩ - الطبعة الهندية)، وغيرها. وكذلك وقعت بخط المصنف في «طريق الهجرتين» (٦٣٠).
له بقوله: ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾[النمل: ٢٢]، وهذا الخطابُ إنما جرَّأه عليه العلم، وإلا فالهدهدُ مع ضعفه لا يتمكَّنُ في خطابه لسليمان مع قوَّته بمثل هذا الخطاب لولا سلطانُ العلم.
ومن هذا الحكايةُ المشهورة أنَّ بعض أهل العلم سئل عن مسألة، فقال: لا أعلمُها، فقال أحدُ تلامذته: أنا أعلمُ هذه المسألة، فغضبَ الأستاذُ وهَمَّ به، فقال له: أيها الأستاذ، لستَ أعلمَ من سليمان بن داود ولو بلغتَ في العلم ما بلغت، ولستُ أنا أجهلَ من الهدهد، وقد قال لسليمان: ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾؛ فلم يعتب عليه ولم يعنِّفه١.
الوجه السادس والأربعون بعد المئة: أنَّ من نال شيئًا من شرف الدنيا والآخرة فإنما ناله بالعلم.
وتأمَّل ما حصلَ لآدم من تمييزه٢ على الملائكة واعترافهم له بتعليم الله له الأسماءَ كلَّها، ثمَّ ما حصلَ له من تدارك المصيبة والتعويض عن سكنى الجنة بما هو خيرٌ له منها= بعلم الكلمات التي تلقَّاها من ربِّه.
وما حصلَ ليوسف من التمكين في الأرض والعزَّة والعظمة بعلمه بعبارة تلك الرُّؤيا، ثمَّ عِلْمه بوجوه استخراج أخيه من إخوته بما يقرُّون به ويحكمون هم به، حتى آل الأمرُ إلى ما آل إليه من العزِّ والعاقبة الحميدة وكمال الحال التي توصَّل إليها بالعلم، كما أشار إليه سبحانه في قوله: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ