له بقوله: ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾[النمل: ٢٢]، وهذا الخطابُ إنما جرَّأه عليه العلم، وإلا فالهدهدُ مع ضعفه لا يتمكَّنُ في خطابه لسليمان مع قوَّته بمثل هذا الخطاب لولا سلطانُ العلم.
ومن هذا الحكايةُ المشهورة أنَّ بعض أهل العلم سئل عن مسألة، فقال: لا أعلمُها، فقال أحدُ تلامذته: أنا أعلمُ هذه المسألة، فغضبَ الأستاذُ وهَمَّ به، فقال له: أيها الأستاذ، لستَ أعلمَ من سليمان بن داود ولو بلغتَ في العلم ما بلغت، ولستُ أنا أجهلَ من الهدهد، وقد قال لسليمان: ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾؛ فلم يعتب عليه ولم يعنِّفه١.
الوجه السادس والأربعون بعد المئة: أنَّ من نال شيئًا من شرف الدنيا والآخرة فإنما ناله بالعلم.
وتأمَّل ما حصلَ لآدم من تمييزه٢ على الملائكة واعترافهم له بتعليم الله له الأسماءَ كلَّها، ثمَّ ما حصلَ له من تدارك المصيبة والتعويض عن سكنى الجنة بما هو خيرٌ له منها= بعلم الكلمات التي تلقَّاها من ربِّه.
وما حصلَ ليوسف من التمكين في الأرض والعزَّة والعظمة بعلمه بعبارة تلك الرُّؤيا، ثمَّ عِلْمه بوجوه استخراج أخيه من إخوته بما يقرُّون به ويحكمون هم به، حتى آل الأمرُ إلى ما آل إليه من العزِّ والعاقبة الحميدة وكمال الحال التي توصَّل إليها بالعلم، كما أشار إليه سبحانه في قوله: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ
كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦]، جاء في تفسيرها: «نرفعُ درجاتِ من نشاءُ بالعلم، كما رفعنا درجةَ يوسف على إخوته بالعلم»١.
وقال في إبراهيم ﷺ: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾[الأنعام: ٨٣]؛ فهذه رفعةٌ بعلم الحجَّة، والأولُ رفعةٌ بعلم السِّياسة.
وكذلك ما حصلَ للخَضِر بسبب علمه من تَلْمَذَةِ كليم الرحمن له٢، وتلطُّفه معه في السؤال، حتى قال: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾[الكهف: ٦٦].
وكذلك ما حصلَ لسليمان من عِلْم منطق الطَّير حتى وصلَ إلى مُلْك سبأ، وقَهَرَ مَلِكتَهم، واحتوى على سرير مُلْكها، ودخولِها٣ تحت طاعته، ولذلك قال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾[النمل: ١٦].
وكذلك ما حصلَ لداود من عِلْم نَسْج الدُّروع من الوقاية من سلاح الأعداء، وعدَّدَ سبحانه هذه النِّعمة بهذا العلم على عباده٤، فقال: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ﴾[الأنبياء: ٨٠].