مفتاح دار السعادة

وكذلك ما حصلَ للمسيح من علم الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل ما رفعه اللهُ به إليه وفضَّله وكرَّمه.

وكذلك ما حصلَ لسيِّد ولد آدم ﷺ من العلم الذي ذكَّره١ اللهُ به نعمَه عليه٢؛ فقال: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣].

الوجه السابعُ والأربعون بعد المئة: أنَّ الله سبحانه أثنى على إبراهيم خليله بقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ١٢٠ شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ﴾ [النحل: ١٢٠ - ١٢١].

فهذه أربعةُ أنواعٍ من الثناء:

افتتحها بأنه أمَّة. والأمَّةُ هو القدوة الذي يُؤتمُّ به؛ قال ابن مسعود: «والأمَّةُ المعلِّم للخير»٣، وهي فُعْلةٌ من الائتمام، كقُدوة، وهو الذي يقتدى به.

والفرقُ بين الأمَّة والإمام من وجهين:

أحدهما: أنَّ «الإمام» كلُّ ما يؤتمُّ به، سواءٌ كان بقصده وشعوره أو لا، ومنه سمِّي الطريقُ: إمامًا، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ (٧٨)

  1. (١) (ت): «وكذلك ما حصل لسيد ولد آدم ﷺ الذي ذكر».
  2. (٢) (ق): «نعمة عليه».
  3. (٣) علَّقه البخاري في «الصحيح» (٥/ ٢٢٣)، ووصله الطبراني في «الكبير» (١٠/ ٥٩)، وأبو نعيم في «الحلية» (١/ ٢٣٠)، وغيرهم من طرق. وصححه الحاكم في «المستدرك» (٣/ ٢٧٢)، وابن حجر في «تغليق التعليق» (٤/ ٢٣٨).
497

فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر: ٧٨ - ٧٩]، أي: بطريقٍ واضحٍ لا يخفى على السالك. ولا يسمَّى الطريقُ: أمَّة.

الثاني: أنَّ «الأمَّة» فيه زيادةُ معنى؛ وهو الذي جمع صفات الكمال من العلم والعمل بحيث بقي فيها فردًا وحده، فهو الجامعُ لخصالٍ تفرَّقت في غيره، فكأنه بايَنَ غيره باجتماعها فيه وتفرُّقها أو عدمها في غيره.

ولفظُ «الأمَّة» يُشْعِرُ بهذا المعنى؛ لِمَا فيه من الميم المُضعَّفة الدَّالَّة على الضمِّ بمخرجها وتكريرها، وكذلك ضَمُّ أوله؛ فإنَّ الضَّمة من الواو، ومخرجُها ينضمُّ عند النطق بها، وأتى بالتاء الدَّالَّة على الوَحْدَة كالغُرفة واللُّقمة، ومنه الحديث: «إنَّ زيد بن عمرو بن نفيلٍ يُبعثُ يوم القيامة أمَّةً وحده»١.

فالضمُّ والاجتماعُ لازمٌ لمعنى «الأمَّة»، ومنه سمِّيت «الأمَّة» التي هي آحادُ الأمم؛ لأنهم الناسُ المجتمعون على دينٍ واحدٍ أو في عصرٍ واحد٢.

الثاني: قوله: ﴿قَانِتًا لِلَّهِ﴾، قال ابن مسعود: «القانت المطيع»٣. والقنوتُ يفسَّر بأشياء كلها ترجعُ إلى دوام الطاعة.

  1. (١) رُوِي من وجوهٍ كثيرة. من أحسنها ما أخرجه أبو يعلى في «المسند» (٩٧٣)، وحسنه الهيثمي في «المجمع» (٩/ ٤١٧) عن سعيد بن زيد ﵁.
    وانظر: مسانيد أحمد (١/ ١٨٩)، والبزار (١٣٣١)، والطيالسي (٢٣١)، و«البداية والنهاية» (٣/ ٣٢٦).
  2. (٢) (ق، د): «على دين واحد وفي عصر واحد أو على دين واحد».
  3. (٣) جزءٌ من الأثر السابق في تفسير «الأمة».
498

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي