مفتاح دار السعادة

الثالث: قوله: ﴿حَنِيفًا﴾، والحنيفُ المُقْبِلُ على الله. ويلزمُ هذا المعنى ميلُه عمَّا سواه، فالمَيْلُ لازمُ معنى الحَنَف، لا أنه موضوعُه لغةً١.

الرابع: قولُه: ﴿شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ﴾، والشكرُ للنِّعم مبنيٌّ على ثلاثة أركان:

* الإقرارُ بالنعمة.

* وإضافتُها إلى المُنْعِم بها.

* وصرفُها في مرضاته، والعملُ فيها بما يُحِبُّ.

فلا يكونُ العبدُ شاكرًا إلا بهذه الأشياء الثلاثة٢.

والمقصودُ أنه مدح خليلَه بأربع صفاتٍ كلها ترجعُ إلى العلم، والعمل بمُوجَبه، وتعليمه ونشره؛ فعاد الكمالُ كلُّه إلى العلم والعمل بمُوجَبه ودعوة الخلق إليه.

الوجه الثامن والأربعون بعد المئة: قولُه سبحانه عن المسيح أنه قال: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا ٣٠ وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾ [مريم: ٣٠ - ٣١].

قال سفيانُ بن عيينة: «﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾ قال: معلِّمًا للخير»٣.

  1. (١) انظر: «جلاء الأفهام» (٣٠٦).
  2. (٢) انظر: «مدارج السالكين» (٢/ ٢٥٤)، و«الوابل الصيب» (٥، ٦).
  3. (٣) أخرجه الطبري (١٨/ ١٩١).
499

وهذا يدلُّ على أنَّ تعليمَ الرجل الخيرَ هو البركةُ التي جعلها اللهُ فيه١؛ فإنَّ البركة حصولُ الخير ونماؤه ودوامه. وهذا في الحقيقة ليس إلا في العلم الموروث عن الأنبياء، وتعليمه.

ولهذا يسمِّي سبحانه كتابَه: مباركًا، كما قال تعالى: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ﴾ [الأنبياء: ٥٠]، وقال: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ﴾ [ص: ٢٩]، ووصف رسولَه بأنه مبارك، كما في قول المسيح: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾ [مريم: ٣١]؛ فبركةُ كتابه ورسوله هي سببُ ما يحصلُ بهما٢ من العلم والهدى والدعوة إلى الله.

الوجه التاسع والأربعون بعد المئة: عن أبي هريرة ﵁ عن النبيِّ ﷺ أنه قال: «إذا مات ابنُ آدم انقطع عملُه إلا من ثلاث: صدقةٍ جارية، أو علمٍ يُنتَفعُ به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له»، رواه مسلم في «الصحيح»٣.

وهذا من أعظم الأدلة على شرف العلم وفضله وعِظَم ثمرته؛ فإنَّ ثوابَه يصلُ إلى الرجل بعد موته ما دام يُنتَفعُ به، فكأنه حيٌّ لم ينقطع عملُه، مع ما له من حياة الذِّكر والثناء؛ فجريانُ أجره عليه إذا انقطع عن الناس ثوابُ أعمالهم حياةٌ ثانية.

وخصَّ النبيُّ ﷺ هذه الأشياء الثلاثة بوصول الثواب منها إلى الميِّت

  1. (١) انظر: «الوابل الصيب» (٩٩، ١٧٧)، و«جلاء الأفهام» (١٧٩)، و«رسالة ابن القيم إلى بعض إخوانه» (٣).
  2. (٢) (ح): «هي بسبب ما يحصل بهما».
  3. (٣) (١٦٣١).
500

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي