لأنه سببٌ لحصولها، والعبدُ إذا باشر السببَ الذي يتعلَّقُ به الأمرُ والنهيُ ترتَّب١ عليه مسبَّبه وإن كان خارجًا عن سعيه وكسبه؛ فلما كان هو السببَ في حصول هذا الولد الصالح والصدقة الجارية والعلم النافع جرى عليه ثوابُه وأجرُه لتسبُّبه فيه؛ فالعبدُ إنما يثابُ على ما باشَره أو على ما تولَّد منه٢.
وقد ذكر تعالى هذين الأصلَيْن في كتابه في سورة براءة، فقال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾؛ فهذه الأمورُ كلُّها متولِّداتٌ عن أفعالهم، غير مقدورةٍ لهم، وإنما المقدورُ لهم أسبابُها التي باشروها.
وقال في القسم الأول: ﴿كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾؛ لأن المتولِّدَ حاصلٌ عن شيئين: أفعالهم وغيرها، فليست أفعالُهم سببًا مستقلًّا في حصول المتولِّد، بل هي جزءٌ من أجزاء السبب، فيُكتَبُ لهم من ذلك ما كان مقابلًا لأفعالهم.
وأيضًا؛ فإنَّ الظَّمأ والنَّصَب وغَيْظَ العدوِّ ليس من أفعالهم، فلا يُكتَبُ
(١) (ح، ن): «يترتب».
(٢) انظر: «التقريب لعلوم ابن القيم» (١٧٢).
لهم نفسُه، ولكن لمَّا تولَّد عن أفعالهم كُتِبَ لهم به عملٌ صالح.
وأما القسمُ الآخر، وهو الأفعالُ المقدورةُ نفسُها، كالإنفاق وقَطْع الوادي، فهو عملٌ صالح، فيكتبُ١ لهم نفسُه؛ إذ هو مقدورٌ لهم حاصلٌ بإرادتهم وقدرتهم.
فعاد الثوابُ إلى الأسباب المقدورة والمتولِّد عنها، وبالله التوفيق.
الوجه الخمسون بعد المئة: ما ذكره ابن عبد البر٢ عن عبد الله بن داود٣، قال: «إذا كان يوم القيامة عَزَل اللهُ ﵎ العلماءَ عن الحساب، فيقول: ادخلوا الجنةَ على ما كان فيكم، إني لم أجعل علمي فيكم إلا لخيرٍ أردتُه بكم».
قال ابن عبد البر: وزاد غيرُه في هذا الخبر: «إنَّ الله يحبِسُ العلماء يوم القيامة في زُمرةٍ واحدة حتى يقضي بين الناس ويدخلَ أهلُ الجنة الجنةَ وأهلُ النار النار، ثم يدعو العلماء فيقول: يا معشر العلماء، إني لم أضع حكمتي فيكم وأنا أريدُ أن أعذِّبكم، قد علمتُ أنكم تَخْلِطون من المعاصي ما يَخْلِطُ غيرُكم، فسترتُها عليكم وغفرتُها لكم، وإنما كنتُ أُعْبَدُ بفُتْياكم وتعليمكم عبادي، ادخلوا الجنةَ بغير حساب». ثمَّ قال: «لا معطي لما منع اللهُ ولا مانع لما أعطى».