ومن هذا قولُ النبيِّ ﷺ لعمر: «وما يدريك لعلَّ الله اطلعَ على أهل بدرٍ فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرتُ لكم»١.
وهذا هو المانعُ له ﷺ من قتل من جَسَّ عليه وعلى المسلمين وارتكبَ مثل ذلك الذَّنب العظيم٢، فأخبر ﷺ أنه شهدَ بدرًا؛ فدلَّ على أنَّ مقتضي عقوبته قائمٌ لكنْ منع من ترتُّب أثره٣ عليه ما له من المشهد العظيم، فوقعت تلك السَّقْطةُ العظيمةُ مغتفرةً في جنب ما له من الحسنات٤.
ولمَّا حضَّ النبيُّ ﷺ على الصدقة، فأخرج عثمانُ ﵁ تلك الصدقة العظيمة، قال: «ما ضرَّ عثمانَ ما عَمِل بعدها»٥.
وقال لطلحة لمَّا تطأطأ للنبيِّ ﷺ حتى صعدَ على ظهره إلى الصخرة: «أَوْجَبَ طلحة»٦.
(١) أخرجه البخاري (٣٠٠٧)، ومسلم (٢٤٩٤) من حديث علي.
(٥) أخرجه الترمذي (٣٧٠١)، وأحمد (٥/ ٦٣)، وابن أبي عاصم في «السنة» (٢/ ٥٨٧)، وغيرهم من حديث عبد الرحمن بن سمرة. قال الترمذي: «هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ من هذا الوجه»، وصححه الحاكم (٣/ ١٠٢) ولم يتعقبه الذهبي. ورُوِي من وجوهٍ أخرى تزيدُه قوَّة.
(٦) أخرجه الترمذي (٣٧٣٨)، وأحمد (١/ ١٦٥)، والبزار (٩٧٢)، وغيرهما من حديث الزبير بن العوام. قال الترمذي: «هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريب»، وصححه ابن حبان (٦٩٧٩)، والحاكم (٣/ ٣٧٣) ولم يتعقبه الذهبي.
وهذا موسى كليمُ الرحمن ﷿: ألقى الألواحَ التي فيها كلامُ الله الذي كتبه له، ألقاها على الأرض١ حتى تكسَّرت، ولَطَمَ عينَ ملَك الموت ففَقأها٢، وعاتبَ ربَّه ليلة الإسراء في النبيِّ ﷺ، وقال: «شابٌّ بُعِثَ بعدي يدخلُ الجنةَ من أمَّته أكثرُ ممن يدخلُها من أمَّتي»٣، وأخذَ بلحية هارون وجَرَّه إليه٤ وهو نبيُّ الله، وكلُّ هذا لم يُنْقِص من قَدْرِه شيئًا عند ربِّه، وربُّه تعالى يُكْرِمُه ويحبُّه؛ فإنَّ الأمرَ الذي قام به موسى، والعدوَّ الذي بَرَز له، والصبرَ الذي صَبَره، والأذى الذي أُوذِيَه في الله= أمرٌ لا تؤثِّرُ [فيه] أمثالُ هذه الأمور، ولا يُغَبَّرُ به في وجهه٥، ولا يخفضُ منزلتَه٦.
وهذا أمرٌ معلومٌ عند الناس مستقرٌّ في فِطَرهم: أنَّ من له ألوفٌ من الحسنات فإنه يُسامَحُ بالسيئة والسيئتين ونحوها، حتى إنه ليَخْتَلِجُ داعي عقوبته على إساءته، وداعي شكره على إحسانه، فيغلبُ داعي الشكر لداعي
(١) كما في سورة الأعراف: ١٥٠.
(٢) أخرجه البخاري (١٣٣٤)، ومسلم (٢٣٧٢).
(٣) أخرجه البخاري (٣٢٠٧)، ومسلم (١٦٤).
(٤) كما في سورة طه: ٩٤.
(٥) «به» ليست في (ت، ح، ن)، فيكون الفعل للمعلوم، أي: لا يعيبه ولا ينقص من قدره. كما قال البديع في «المقامات» (١٢٣): «غبَّر في وجهه الفقر»، أي: أثَّر فيه. ويجوز أن يكون من قولهم: «غبَّر في وجه فلان» إذا سبقه. «الأساس» و«التاج» (غبر). أي: أن هذا الأمر ليس مما يؤخِّر رتبة موسى ومنزلته من ربه.
(٦) انظر: «الرد على البكري» (٢/ ٧١٨)، و«مدارج السالكين» (٢/ ٤٥٦)، وما سيأتي (ص: ٨٥١).