مفتاح دار السعادة

وهذا موسى كليمُ الرحمن ﷿: ألقى الألواحَ التي فيها كلامُ الله الذي كتبه له، ألقاها على الأرض١ حتى تكسَّرت، ولَطَمَ عينَ ملَك الموت ففَقأها٢، وعاتبَ ربَّه ليلة الإسراء في النبيِّ ﷺ، وقال: «شابٌّ بُعِثَ بعدي يدخلُ الجنةَ من أمَّته أكثرُ ممن يدخلُها من أمَّتي»٣، وأخذَ بلحية هارون وجَرَّه إليه٤ وهو نبيُّ الله، وكلُّ هذا لم يُنْقِص من قَدْرِه شيئًا عند ربِّه، وربُّه تعالى يُكْرِمُه ويحبُّه؛ فإنَّ الأمرَ الذي قام به موسى، والعدوَّ الذي بَرَز له، والصبرَ الذي صَبَره، والأذى الذي أُوذِيَه في الله= أمرٌ لا تؤثِّرُ [فيه] أمثالُ هذه الأمور، ولا يُغَبَّرُ به في وجهه٥، ولا يخفضُ منزلتَه٦.

وهذا أمرٌ معلومٌ عند الناس مستقرٌّ في فِطَرهم: أنَّ من له ألوفٌ من الحسنات فإنه يُسامَحُ بالسيئة والسيئتين ونحوها، حتى إنه ليَخْتَلِجُ داعي عقوبته على إساءته، وداعي شكره على إحسانه، فيغلبُ داعي الشكر لداعي

  1. (١) كما في سورة الأعراف: ١٥٠.
  2. (٢) أخرجه البخاري (١٣٣٤)، ومسلم (٢٣٧٢).
  3. (٣) أخرجه البخاري (٣٢٠٧)، ومسلم (١٦٤).
  4. (٤) كما في سورة طه: ٩٤.
  5. (٥) «به» ليست في (ت، ح، ن)، فيكون الفعل للمعلوم، أي: لا يعيبه ولا ينقص من قدره. كما قال البديع في «المقامات» (١٢٣): «غبَّر في وجهه الفقر»، أي: أثَّر فيه. ويجوز أن يكون من قولهم: «غبَّر في وجه فلان» إذا سبقه. «الأساس» و«التاج» (غبر). أي: أن هذا الأمر ليس مما يؤخِّر رتبة موسى ومنزلته من ربه.
  6. (٦) انظر: «الرد على البكري» (٢/ ٧١٨)، و«مدارج السالكين» (٢/ ٤٥٦)، وما سيأتي (ص: ٨٥١).
506

العقوبة، كما قيل:

وإذا الحبيبُ أتى بذنبٍ واحدٍجاءت محاسنُه بألفِ شفيع١

وقال آخر٢:

فإنْ يكنِ الفعلُ الذي ساءَ واحدًافأفعالُه اللَّائي سَرَرْنَ كثيرُ

والله سبحانه يوازنُ يوم القيامة بين حسنات العبد وسيئاته فأيهما غَلَبَ كان التأثيرُ له، فيَفعَلُ مع أهل٣ الحسنات الكثيرة الذين آثروا محابَّه ومَراضِيه وغلَبَتْهم دواعي طبعهم أحيانًا من العفو والمسامحة ما لا يفعلُه مع غيرهم.

وأيضًا؛ فإنَّ العالمَ إذا زلَّ فإنه يُحْسِنُ إسراعَ الفيئة٤ وتداركَ الفارِط ومداواةَ الجرح، فهو كالطبيب الحاذق البصير بالمرض وأسبابه وعلاجه، فإنَّ زوالَه على يده أسرعُ من زواله على يد الجاهل.

وأيضًا؛ فإنَّ معه من معرفته بأمر الله، وتصديقه بوعده ووعيده، وخشيته

  1. (١) كثير الورود في المصادر دون نسبة، وأقدمها: «لطائف الإشارات» للقشيري (ت: ٤٦٥) (١/ ٣٤)، وضمَّنه أبو البركات التكريتي (ت: ٥٩٩) في أبيات، في ترجمته من «المستفاد من ذيل تاريخ بغداد» (٧).
  2. (٢) وهو المتنبي في ديوانه (٢٤١) من أبياتٍ فائيةٍ رقيقة. والروايةُ فيه وفي جمهرة المصادر: «ألوف».
  3. (٣) (ن، ح): «بأهل».
  4. (٤) كُتِبَ في (ق) بخطٍّ دقيق بين السطرين ــ تفسيرًا للكلمة ــ: «الرجوع».
507

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي