وإذا الحبيبُ أتى بذنبٍ واحدٍجاءت محاسنُه بألفِ شفيع١
وقال آخر٢:
فإنْ يكنِ الفعلُ الذي ساءَ واحدًافأفعالُه اللَّائي سَرَرْنَ كثيرُ
والله سبحانه يوازنُ يوم القيامة بين حسنات العبد وسيئاته فأيهما غَلَبَ كان التأثيرُ له، فيَفعَلُ مع أهل٣ الحسنات الكثيرة الذين آثروا محابَّه ومَراضِيه وغلَبَتْهم دواعي طبعهم أحيانًا من العفو والمسامحة ما لا يفعلُه مع غيرهم.
وأيضًا؛ فإنَّ العالمَ إذا زلَّ فإنه يُحْسِنُ إسراعَ الفيئة٤ وتداركَ الفارِط ومداواةَ الجرح، فهو كالطبيب الحاذق البصير بالمرض وأسبابه وعلاجه، فإنَّ زوالَه على يده أسرعُ من زواله على يد الجاهل.
وأيضًا؛ فإنَّ معه من معرفته بأمر الله، وتصديقه بوعده ووعيده، وخشيته
(١) كثير الورود في المصادر دون نسبة، وأقدمها: «لطائف الإشارات» للقشيري (ت: ٤٦٥) (١/ ٣٤)، وضمَّنه أبو البركات التكريتي (ت: ٥٩٩) في أبيات، في ترجمته من «المستفاد من ذيل تاريخ بغداد» (٧).
(٢) وهو المتنبي في ديوانه (٢٤١) من أبياتٍ فائيةٍ رقيقة. والروايةُ فيه وفي جمهرة المصادر: «ألوف».
(٣) (ن، ح): «بأهل».
(٤) كُتِبَ في (ق) بخطٍّ دقيق بين السطرين ــ تفسيرًا للكلمة ــ: «الرجوع».
منه، وإزرائه على نفسه بارتكابه١، وإيمانه٢ بأنَّ الله حرَّمه، وأنَّ له ربًّا يغفرُ الذنبَ ويأخذُ به، إلى غير ذلك من الأمور المحبوبة للربِّ= ما يَغْمُرُ الذنب، ويُضْعِفُ اقتضاءه، ويزيلُ أثرَه، بخلاف الجاهل بذلك أو أكثره، فإنه ليس معه إلا ظلمةُ الخطيئة وقُبْحُها وآثارُها المُرْدِية، فلا سواءٌ٣ هذا وهذا.
وهذا فصلُ الخطاب في هذا الموضع، وبه يتبيَّنُ أنَّ الأمرين حق، وأنه لا منافاة بينهما، وأنَّ كلَّ واحدٍ من العالم والجاهل إنما زاد قبحُ الذنب منه على الآخر بسبب جهله، وتجرُّد خطيئته عمَّا يقاومها، ويُضْعِفُ تأثيرَها، ويزيلُ أثرها؛ فعاد القبحُ في الموضعين إلى الجهل وما يستلزمُه، وقلَّتُه وضعفُه إلى العلم وما يستلزمُه؛ وهذا دليلٌ ظاهرٌ على شرف العلم وفضله، وبالله التوفيق.
الوجه الحادي والخمسون بعد المئة: أن العالِم المشتغلَ بالعلم والتعليم لا يزالُ في عبادة، فنفسُ تعلُّمه وتعليمه عبادة.
قال ابن مسعود: «لا يزالُ الفقيهُ يصلِّي». قالوا: وكيف يصلي؟ قال: «ذِكرُ الله على قلبه ولسانه». ذكره ابنُ عبد البر٤.
وفي حديث معاذٍ مرفوعًا وموقوفًا: «تعلَّموا العلم؛ فإنَّ تعلُّمَه لله خشية، وطلبَه عبادة، ومذاكرتَه تسبيح»، وقد تقدَّم٥، والصوابُ أنه موقوف.
(١) أي: الذنب.
(٢) (ت): «وعلمه».
(٣) كذا في الأصول، وهو فصيح. وغيِّرت في (ط) إلى: «فلا يستوي».