مفتاح دار السعادة

وقال أيضًا: «كتابةُ حديثٍ واحدٍ أحبُّ إليَّ من قيام ليلة»١.

وقال ابن عباس: «تذاكرُ العلم بعض ليلةٍ أحبُّ إليَّ من إحيائها»٢.

وفي «مسائل إسحاق بن منصور»٣: قلتُ لأحمد بن حنبل: قولُه: «تذاكرُ بعض ليلةٍ أحبُّ إليَّ من إحيائها»، أيَّ علمٍ أراد؟ قال: هو العلمُ الذي ينتفعُ به الناسُ في أمر دينهم. قلت: في الوضوء والصلاة والصوم والحجِّ والطلاق ونحو هذا؟ قال: نعم.

قال إسحاق: وقال لي إسحاق بن راهويه: هو كما قال أحمد.

وقال أبو هريرة ﵁: «لأنْ أجْلِسَ ساعةً فأفْقَهَ في ديني أحبُّ إليَّ من إحياء ليلةٍ إلى الصباح»٤.

وذكر ابنُ عبد البر٥ من حديث أبي هريرة يرفعُه: «لكلِّ شيءٍ عِماد، وعِمادُ هذا الدِّين الفقه، وما عبد اللهُ بشيءٍ أفضل من فقهٍ في الدِّين» الحديث، وقد تقدم.

وقال محمد بن علي الباقر: «عالمٌ يُنْتفَعُ بعلمه أفضلُ من ألف عابد»٦.

  1. (١) أخرجه ابن عبد البر في «الجامع» (١/ ١٢٠).
  2. (٢) تقدم تخريجه (ص: ٣٣٩).
  3. (٣) (٣٣٠٩، ٣٣١٠)، وتقدم طرفٌ منه (ص: ٣٣٩).
  4. (٤) تقدم تخريجه (ص: ١٨٦).
  5. (٥) في «الجامع» (١/ ١٢٧) معلَّقًا. وتقدم تخريجه (ص: ١٨٦).
  6. (٦) أخرجه أبو نعيم في «الحلية» (٣/ ١٨٣)، وعلَّقه ابن عبد البر في «الجامع» (١/ ١٣١).
510

وقال أيضًا: «روايةُ الحديث وبثُّه في الناس أفضلُ من عبادة ألف عابد»١.

ولمَّا كان طلبُ العلم والبحثُ عنه وكتابتُه والتفتيشُ عليه من عمل القلب والجوارح كان من أفضل الأعمال، ومنزلتُه من عمل الجوارح كمنزلة أعمال القلب من الإخلاص والتوكُّل والمحبة والإنابة والخشية والرِّضا ونحوها من الأعمال الظاهرة.

فإن قيل: فالعلمُ إنما هو وسيلةٌ إلى العمل ومرادٌ له، والعملُ هو الغاية، ومعلومٌ أنَّ الغايةَ أشرفُ من الوسيلة، فكيف تُفَضَّلُ الوسائلُ على غاياتها؟

قيل: كلٌّ من العلم والعمل ينقسمُ قسمين: منه ما يكونُ وسيلة، ومنه ما يكونُ غاية.

فليس العلمُ كلُّه وسيلةً مرادةً لغيرها؛ فإنَّ العلمَ بالله وأسمائه وصفاته هو أشرفُ العلوم على الإطلاق، وهو مطلوبٌ لنفسه مرادٌ لذاته.

قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢]؛ فقد أخبر سبحانه أنه خلقَ السموات والأرض ونزَّل الأمرَ بينهنَّ ليَعْلَم عبادُه أنه بكلِّ شيءٍ عليم، وعلى كلِّ شيءٍ قدير؛ فهذا العلمُ هو غايةُ الخلق المطلوبة.

وقال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمَّد: ١٩]؛ فالعلمُ بوحدانيَّته تعالى وأنه لا إله إلا هو مطلوبٌ لذاته، وإن كان لا يُكتفى به وحده، بل لا بدَّ معه من عبادته وحده لا شريك له؛ فهما أمران مطلوبان لأنفسهما: أن يُعْرَفَ

  1. (١) علَّقه ابن عبد البر في «الجامع» (١/ ١٣٢) عن جعفر بن محمد.
511

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي