مفتاح دار السعادة

ومن كلام الشافعي: «استعينوا على الكلام بالصمت، وعلى الاستنباط بالفكرة»١.

وهذا٢ لأنَّ الفكر عملُ القلب، والعبادةَ عملُ الجوارح، والقلبُ أشرفُ من الجوارح؛ فكان عملُه أشرفَ من عمل الجوارح.

وأيضًا؛ فالتفكُّرُ يُوقِعُ صاحبَه من الإيمان على ما لا يُوقِعُه عليه٣ العملُ المجرَّد؛ فإنَّ التفكُّرَ يوجبُ له من انكشاف حقائق الأمور وظهورها له، وتمييزها٤ في الخير والشر، ومعرفة مفضولها من فاضلها وأقبحها من قبيحها، ومعرفة أسبابها الموصلة إليها، وما يقاومُ تلك الأسبابَ ويدفعُ مُوجَبَها، والتمييز بين ما ينبغي السعيُ في تحصيله وما ينبغي السعيُ في دفع أسبابه، والفرق بين الوهم والخيال المانع لأكثر النفوس من انتهاز الفُرص بعد إمكانها وبين السبب المانع حقيقةً٥ فيشتغلُ به دون الأول، فما قطعَ العبدَ عن كماله وفلاحه وسعادته العاجلة والآجلة قاطعٌ أعظمُ من الوهم الغالب على النفس والخيال الذي هو مَرْكبُها، بل بَحْرُها الذي لا تنفكُّ

  1. (١) «الإحياء» (٤/ ٤٢٥)، و«صفة الصفوة» (٢/ ٢٥٣). ونسبه الجاحظ في «البيان والتبين» (١/ ٣٢٧) إلى قسامة بن زهير.
  2. (٢) أي: كون تفكر ساعةٍ خيرًا من عبادة ستين سنة. وهو الوجه الثالث والخمسون بعد المئة من أوجه تفضيل العلم وأهله.
  3. (٣) (د، ت، ق): «ما لا يوقع».
  4. (٤) (ن، ح): «وتميز مراتبها».
  5. (٥) (ت، ح، ن): «حقيقته».
519

سابحةً فيه، وإنما يُقْطَعُ هذا العارضُ بفكرةٍ صحيحةٍ وعزمٍ صادقٍ يميَّزُ به١ بين الوهم والحقيقة.

وكذلك إذا فكَّر في عواقب الأمور وتجاوزَ فكرُه مَبَاديها؛ وَضَعها٢ مواضعَها، وعلم مراتبَها.

فإذا وردَ عليه واردُ الذنب والشهوة، فتجاوزَ فكرُه لذَّتَه٣ وفرحَ النفس به إلى سوء عاقبته وما يترتبُ عليه من الألم والحزن الذي لا يقاومُ تلك اللذَّة والفرحة؛ ومن فكَّر في ذلك فإنه لا يكادُ يُقْدِمُ عليه.

وكذلك إذا وردَ على قلبه واردُ الراحة والدَّعة والكسل والتقاعُد عن مشقَّة الطَّاعات وتعبها، حتى عبَر بفكره إلى ما يترتبُ عليها من اللذات والخيرات والأفراح التي تنغمرُ٤ تلك الآلام التي في مَبَاديها بالنسبة إلى كمال عواقبها، وكلَّما غاص فكرُه في ذلك اشتدَّ طلبُه لها، وسَهُل عليه معاناتُها، واستقبلها بنشاطٍ وقوَّةٍ وعزيمة.

وكذلك إذا فكَّر في منتهى ما يستعبِدُه من المال والجاه والصُّوَر، ونظرَ إلى غاية ذلك بعين فكره، استحيى من عقله ونفسه أن يكون عبدًا لذلك، كما قيل:

لو فَكَّرَ العاشقُ في منتهىحُسْنِ الذي يَسْبِيه لم يَسْبِهِ٥
  1. (١) (د، ق): «فيه».
  2. (٢) (ت): «ووضعها».
  3. (٣) (ق، د): «فكرة لذته». وهو تحريف.
  4. (٤) (ح، ن): «تغمر».
  5. (٥) البيت للمتنبي، في ديوانه (٥٧٣).
520

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي