مفتاح دار السعادة

لهذا النعيم والعذاب العاجل إليه إلا كما يُدْخِلُ الرجلُ إصبعَه في اليمِّ ثمَّ ينزعُها، فالذي يَعْلَق بها منه هو كالدنيا بالنسبة إلى الآخرة؛ فيثمرُ له هذا العلمُ إيثارَ الآخرة وطلبها، والاستعدادَ التامَّ لها، وأن يسعى لها سعيها.

وهذا يسمَّى: تفكُّرًا، وتذكُّرًا، ونظرًا، وتأمُّلًا، واعتبارًا، وتدبُّرًا، واستبصارًا. وهذه معانٍ متقاربةٌ تجتمعُ في شيءٍ وتفترقُ في آخر.

* فيسمَّى: تفكُّرًا؛ لأنه استعمالُ الفكرة١ في ذلك وإحضارُه٢ عنده.

* ويسمَّى: تذكُّرًا؛ لأنه إحضارٌ للعلم الذي يجبُ مراعاتُه بعد ذهوله وغيبته عنه، ومنه قولُه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١].

* ويسمَّى: نظرًا؛ لأنه التفاتٌ بالقلب إلى المنظور فيه.

* ويسمَّى: تأمُّلًا؛ لأنه مراجعةٌ للنظر٣ كرَّةً بعد كرَّة، حتى يتجلى له وينكشفَ لقلبه.

* ويسمَّى: اعتبارًا، وهو افتعالٌ من العبور؛ لأنه يَعْبُرُ منه إلى غيره، فيعبُر من ذلك الذي قد فكَّر فيه إلى معرفةٍ ثالثة، وهي المقصودُ من الاعتبار.

ولهذا يسمَّى: عِبْرة؛ وهي على بناء الحالات، كالجِلْسة والرِّكْبة والقِتْلة، إيذانًا بأنَّ هذا العلم والمعرفة قد صار حالًا لصاحبه يعبُر منه إلى المقصود به، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف: ١١١]،

  1. (١) (ت): «استعمل الفكر».
  2. (٢) كذا في الأصول. أي: الفكر.
  3. (٣) (ت): «النظر». (ح): «إلى النظر».
524

وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ [النازعات: ٢٦]، وقال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [آل عمران: ١٣، النور: ٤٤].

* ويسمَّى: تدبُّرًا؛ لأنه نظرٌ في أدبار الأمور وهي أواخرُها وعواقبُها. ومنه: تدبُّر القول، قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ [المؤمنون: ٦٨]، وقال: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]، وتدبُّرُ الكلام أن ينظرَ في أوَّله وآخره، ثمَّ يعيدَ نظره مرَّةً بعد مرَّة؛ ولهذا جاء على بناء التفعُّل، كالتجرُّع والتفهُّم والتبيُّن.

* ويسمَّى: استبصارًا؛ وهو استفعالٌ من التبصُّر، وهو تبيُّنُ الأمر١ وانكشافُه وتجلِّيه للبصيرة.

وكلٌّ من التذكُّر والتفكُّر له فائدةٌ غيرُ فائدة الآخر؛ فالتذكُّر يفيدُ تكرارَ القلب على ما علمه وعرفه ليرسَخ فيه ويثبت، ولا ينمحي فيذهبَ أثرُه من القلب جملة، والتفكُّرُ يفيدُ تكثيرَ العلم واستجلابَ ما ليس حاصلًا عند القلب؛ فالتفكُّرُ يحصِّلُه والتذكُّرُ يحفظُه٢.

ولهذا قال الحسن: «ما زال أهلُ العلم يعودون بالتذكُّر على التفكُّر، وبالتفكُّر على التذكُّر، ويُناطِقون القلوب، حتى نَطَقَت بالحكمة»٣.

فالتفكُّرُ والتذكُّرُ بِذَارُ العلم، وسَقْيُه مطارحتُه، ومذاكرتُه تلقيحُه، كما

  1. (١) (ق، ح): «تبيين الأمر». خطأ.
  2. (٢) (ق، د): «فالتفكر تحصيلُه والتذكر تحفُّظه».
  3. (٣) تقدَّم تخريجه قريبًا.
525

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي