مفتاح دار السعادة

إلى المحابِّ، ومن الرغبة والحرص إلى الزهد والقناعة، ومن سجن الدنيا إلى فضاء الآخرة، ومن ضيق الجهل إلى سَعة العلم ورَحْبه، ومن مرض الشهوة والإخلاد إلى هذه الدار إلى شفاء الإنابة إلى الله والتجافي عن دار الغرور، ومن مصيبة العمى والصَّمَم والبَكَم إلى نعمة البصر والسمع والفهم عن الله والعقل عنه، ومن أمراض الشبهات إلى بَرْد اليقين وثَلَج الصَّدر.

وبالجملة؛ فأصلُ كلِّ طاعةٍ إنما هو الفكر.

وكذلك أصلُ كلِّ معصيةٍ إنما يحدثُ من جانب الفكرة؛ فإنَّ الشيطانَ يصادفُ أرضَ القلب خاليةً فارغة، فيَبْذُرُ فيها حَبَّ الأفكار الرديَّة، فيتولَّدُ منه الإراداتُ والعُزوم١، فيتولَّدُ منها العمل. فإذا صادفَ أرضَ القلب مشغولةً ببَذْر الأفكار النافعة فيما خُلِقَ له وفيما أُمِرَ به وفيما هُيِّاء له وأُعِدَّ له من النعيم المقيم أو العذاب الأليم لم يجد لبَذْره موضعًا، وهذا كما قيل:

أتاني هواها قبل أن أعرفَ الهوىفصادفَ قلبًا فارغًا فتمكَّنا٢

فإن قيل: فقد ذكرتم الفكرَ ومنفعته وعِظَمَ تأثيره في الخير والشر، فما متعلَّقُه الذي ينبغي أن يُوقَعَ عليه ويجري فيه؟ فإنه لا يتمُّ المقصودُ منه إلا بذكر متعلَّقه الذي يقعُ الفكرُ فيه، وإلا ففكرٌ في غير٣ متفكَّرٍ فيه محال.

  1. (١) جمع عزم. محدثة.
  2. (٢) البيت ليزيد بن الطثرية في «أخبار أبي تمام» (٢٦٤)، و«الموازنة» (١/ ٦٩)، وترجمته من «وفيات الأعيان» (٦/ ٣٧٠). ولمجنون بني عامر في ديوانه (٢١٩) عن «البيان والتبين» (٢/ ٤٢)، و«الحيوان» (١/ ١٦٩، ٤/ ١٦٧)، وغيرهما. ولعمر بن أبي ربيعة في «عيون الأخبار» (٣/ ٩).
  3. (٣) (ن): «ففكر بغير».
527

قيل: مجرى الفكر ومتعلَّقُه أربعةُ أمور:

أحدُها: غايةٌ محبوبةٌ مرادةُ الحصول.

الثاني: طريقٌ موصلةٌ إلى تلك الغاية.

الثالث: مضرَّةٌ مطلوبةُ الإعدام مكروهةُ الحصول.

الرابع: الطريقُ المفضي إليها المُوقِعُ عليها.

فلا تتجاوزُ أفكارُ العقلاء هذه الأمورَ الأربعة، وأيُّ فكرٍ تخطَّاها فهو من الأفكار الرديَّة والخيالات والأماني الباطلة، كما يُمثِّلُ الفقيرُ المُعْدِمُ نفسَه من أغنى البشر وهو يأخذُ ويعطي ويُنعِمُ ويحرِم، وكما يُمثِّلُ العاجزُ نفسَه من أقوى الملوك وهو يتصرَّفُ في البلاد والرعيَّة، ونظائرُ ذلك من أفكار القلوب الباطوليَّة١ التي من جنس أفكار السَّكران والمَحْشوش٢ والضعيف العقل.

فالأفكارُ الرديَّةُ هي قُوتُ الأنفس الخسيسة٣ التي هي في غاية الدناءة؛ فإنها قد قَنِعَت بالخيال ورضيت بالمُحال، ثمَّ لا تزالُ هذه الأفكارُ تقوى بها وتتزايدُ حتى تُوجِبَ لها آثارًا رديَّةً ووساوسَ وأمراضًا بطيئةَ الزوال.

وإذا كان الفكرُ النافعُ لا يخرجُ عن الأقسام الأربعة التي ذكرناها، فله

  1. (١) راجع ما تقدم (ص: ١١٠).
  2. (٢) من الحشيش (وهو نباتٌ مخدِّر)، كقولهم: «مخمور» من الخمر. انظر: «المعجم الكبير» لتيمور (٢/ ١١٠). ووقع مثله في «الداء والدواء» (٣٥٩).
  3. (٣) (ت): «الخبيثة».
528

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي