مفتاح دار السعادة

قيل: مجرى الفكر ومتعلَّقُه أربعةُ أمور:

أحدُها: غايةٌ محبوبةٌ مرادةُ الحصول.

الثاني: طريقٌ موصلةٌ إلى تلك الغاية.

الثالث: مضرَّةٌ مطلوبةُ الإعدام مكروهةُ الحصول.

الرابع: الطريقُ المفضي إليها المُوقِعُ عليها.

فلا تتجاوزُ أفكارُ العقلاء هذه الأمورَ الأربعة، وأيُّ فكرٍ تخطَّاها فهو من الأفكار الرديَّة والخيالات والأماني الباطلة، كما يُمثِّلُ الفقيرُ المُعْدِمُ نفسَه من أغنى البشر وهو يأخذُ ويعطي ويُنعِمُ ويحرِم، وكما يُمثِّلُ العاجزُ نفسَه من أقوى الملوك وهو يتصرَّفُ في البلاد والرعيَّة، ونظائرُ ذلك من أفكار القلوب الباطوليَّة١ التي من جنس أفكار السَّكران والمَحْشوش٢ والضعيف العقل.

فالأفكارُ الرديَّةُ هي قُوتُ الأنفس الخسيسة٣ التي هي في غاية الدناءة؛ فإنها قد قَنِعَت بالخيال ورضيت بالمُحال، ثمَّ لا تزالُ هذه الأفكارُ تقوى بها وتتزايدُ حتى تُوجِبَ لها آثارًا رديَّةً ووساوسَ وأمراضًا بطيئةَ الزوال.

وإذا كان الفكرُ النافعُ لا يخرجُ عن الأقسام الأربعة التي ذكرناها، فله

  1. (١) راجع ما تقدم (ص: ١١٠).
  2. (٢) من الحشيش (وهو نباتٌ مخدِّر)، كقولهم: «مخمور» من الخمر. انظر: «المعجم الكبير» لتيمور (٢/ ١١٠). ووقع مثله في «الداء والدواء» (٣٥٩).
  3. (٣) (ت): «الخبيثة».
528

أيضًا محلَّان ومنزلان: أحدهما: هذه الدار، والآخر: دار القرار.

* فأبناءُ الدنيا الذين ليس لهم في الآخرة مِنْ خَلاقٍ عمَّروا بيوتَ أفكارهم بتلك الأقسام الأربعة في هذه الدار، فأثمرت لهم أفكارُهم فيها ما أثمرت، ولكن إذا حَقَّت الحقائق، وبطلت الدنيا، وقامت الآخرة؛ تبيَّن الرابحُ من المَغْبون، وخسر هنالك المبطلون.

* وأبناءُ الآخرة الذين خُلِقوا لها عمَّروا بيوتَ أفكارهم على تلك الأقسام الأربعة فيها.

ونحن نفصِّلُ ذلك بعون الله وفضله، فنقول: كلُّ طالبٍ لشيءٍ فهو محبٌّ له، مُؤثِرٌ لقُربه، ساعٍ في طريق تحصيله، متوصِّلٌ إليه بجهده، وهذا يوجبُ له تعلُّقَ أفكاره بجمال محبوبه وكماله وصفاته١ التي يُحَبُّ لأجلها، وتعلُّقها بما ينالُه به من الخير والفرحة والسرور.

ففكرُه في حال محبوبه دائرٌ بين الجمال والإجمال٢، والحُسْن والإحسان، فكلَّما قويت محبَّتُه له ازدادَ هذا الفكرُ وقَوِيَ وتضاعف، حتى يستغرقَ أجزاءَ القلب فلا يبقى فيه فضلٌ لغيره، بل يصيرُ بين الناس بقالبه، وقلبُه كلُّه في حضرة محبوبه.

فإن كان هذا المحبوبُ هو المحبوبَ الحقَّ الذي لا تنبغي المحبةُ إلا له، ولا يُحَبُّ غيرُه إلا تبعًا لمحبَّته، فهو أسعدُ المحبِّين به، وقد وضعَ الحبَّ موضعَه، وتهيَّأت نفسُه لكمالها الذي خُلِقَت له الذي لا كمال لها بدونه

  1. (١) (ت): «وكمال صفاته».
  2. (٢) انظر: «المدارج» (٣/ ٢٨٨)، و«القوانين الفقهية» لابن جزي (٢٨٥).
529

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي