مفتاح دار السعادة

ونوَّع سبحانه الآيات في هذه السورة١:

* فجَعَل خلقَ السموات والأرض واختلافَ لغات الأمم وألوانهم آياتٍ للعالمين كلِّهم؛ لاشتراكهم في العلم بذلك وظهوره ووضوح دلالته.

* وجعل خَلْقَ الأزواج التي يسكنُ إليها الرجالُ وإلقاءَ المودَّة والرحمة بينهم آياتٍ لقومٍ يتفكرون؛ فإنَّ سكونَ الرجل إلى امرأته وما يكونُ بينهما من المودَّة والتعاطف والتراحم أمرٌ باطنٌ مشهودٌ بعين الفكرة والبصيرة، فمتى نظر بهذه العين إلى الحكمة والرحمة والقدرة التي صدرَ عنها ذلك، دَلَّه فكرُه على أنه الإله الحقُّ المبين الذي أقرَّت الفِطرُ بربوبيته وإلهيته وحكمته ورحمته.

* وجعل المنامَ بالليل والنهار والتصرُّفَ٢ في المعاش وابتغاءَ فضله آياتٍ لقومٍ يسمعون، وهو سمعُ الفهم وتدبُّر هذه الآيات وارتباطها٣ بما جُعِلَت آيةً له مما أخبرت به الرسلُ من حياة العباد بعد موتهم وقيامهم من قبورهم، كما أحياهم سبحانه بعد موتهم وأقامهم للتصرُّف في معاشهم؛ فهذه الآيةُ إنما ينتفعُ بها من سمع ما جاءت به الرسل، وأصغى إليه، واستدلَّ بهذه الآية عليه.

* وجعل إراءتَهم البرقَ٤ وإنزالَ الماء من السماء وإحياءَ الأرض به آياتٍ لقومٍ يعقلون؛ فإنَّ هذه أمورٌ مرئيَّةٌ بالأبصار مشاهدةٌ بالحِسِّ، فإذا نظر فيها ببصر قلبه ــ وهو عقلُه ــ استدلَّ بها على وجود الربِّ تعالى وقدرته

  1. (١) سورة الروم.
  2. (٢) (ح، ن): «للتصرف». وهو تحريفٌ ظاهرٌ من سياق الآية.
  3. (٣) (ح): «ارتباطها».
  4. (٤) قال ابن الأعرابي: «أَرَيتُه الشيءَ إراءةً وإرايةً وإرءاءةً». «اللسان».
534

وعلمه ورحمته وحكمته وإمكان ما أخبر به من إحياء الخلائق بعد موتهم كما أحيا هذه الأرض بعد موتها.

وهذه أمورٌ لا تُدْرَكُ إلا ببصر القلب ــ وهو العقل ــ؛ فإنَّ الحِسَّ دلَّ على الآية، والعقلَ دلَّ على ما جُعِلَت آيةً له، فذكر سبحانه الآيةَ المشهودةَ بالبصر، والمدلولَ عليه المشهودَ بالعقل، فقال: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الروم: ٢٤].

فتباركَ الذي جعل كلامَه حياةً للقلوب وشفاءً لما في الصدور.

وبالجملة؛ فلا شيء أنفعُ للقلب من قراءة القرآن بالتدبُّر والتفكُّر؛ فإنه جامعٌ لجميع منازل السائرين، وأحوال العاملين، ومقامات العارفين، وهو الذي يورثُ المحبةَ والشوقَ والخوفَ والرجاءَ والإنابةَ والتوكُّل والرضا والتفويض والشكرَ والصبرَ وسائر الأحوال التي بها حياةُ القلب وكمالُه، وكذلك يزجرُ عن جميع الصفات والأفعال المذمومة التي بها فسادُ القلب وهلاكُه.

فلو عَلِمَ الناسُ ما في قراءة القرآن بالتدبُّر لاشتغلوا بها عن كلِّ ما سواها، فإذا قرأه بتفكُّرٍ حتى مرَّ بآيةٍ هو محتاجٌ إليها في شفاء قلبه كرَّرها ولو مئة مرَّة، ولو ليلة؛ فقراءةُ آيةٍ بتفكُّرٍ وتفهُّمٍ خيرٌ من قراءة ختمةٍ بغير تدبُّرٍ وتفهُّم، وأنفعُ للقلب، وأدعى إلى حصول الإيمان وذَوْقِ حلاوة القرآن.

وهذه كانت عادة السَّلف، يردِّدُ أحدُهم الآيةَ إلى الصباح١، وقد ثبت

  1. (١) انظر: مختصر «قيام الليل لمحمد بن نصر» (١٤٨ - ١٥١)، و«نتائج الأفكار» لابن حجر (٣/ ١٩١ - ١٩٥).
535

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي