مفتاح دار السعادة

وعلمه ورحمته وحكمته وإمكان ما أخبر به من إحياء الخلائق بعد موتهم كما أحيا هذه الأرض بعد موتها.

وهذه أمورٌ لا تُدْرَكُ إلا ببصر القلب ــ وهو العقل ــ؛ فإنَّ الحِسَّ دلَّ على الآية، والعقلَ دلَّ على ما جُعِلَت آيةً له، فذكر سبحانه الآيةَ المشهودةَ بالبصر، والمدلولَ عليه المشهودَ بالعقل، فقال: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الروم: ٢٤].

فتباركَ الذي جعل كلامَه حياةً للقلوب وشفاءً لما في الصدور.

وبالجملة؛ فلا شيء أنفعُ للقلب من قراءة القرآن بالتدبُّر والتفكُّر؛ فإنه جامعٌ لجميع منازل السائرين، وأحوال العاملين، ومقامات العارفين، وهو الذي يورثُ المحبةَ والشوقَ والخوفَ والرجاءَ والإنابةَ والتوكُّل والرضا والتفويض والشكرَ والصبرَ وسائر الأحوال التي بها حياةُ القلب وكمالُه، وكذلك يزجرُ عن جميع الصفات والأفعال المذمومة التي بها فسادُ القلب وهلاكُه.

فلو عَلِمَ الناسُ ما في قراءة القرآن بالتدبُّر لاشتغلوا بها عن كلِّ ما سواها، فإذا قرأه بتفكُّرٍ حتى مرَّ بآيةٍ هو محتاجٌ إليها في شفاء قلبه كرَّرها ولو مئة مرَّة، ولو ليلة؛ فقراءةُ آيةٍ بتفكُّرٍ وتفهُّمٍ خيرٌ من قراءة ختمةٍ بغير تدبُّرٍ وتفهُّم، وأنفعُ للقلب، وأدعى إلى حصول الإيمان وذَوْقِ حلاوة القرآن.

وهذه كانت عادة السَّلف، يردِّدُ أحدُهم الآيةَ إلى الصباح١، وقد ثبت

  1. (١) انظر: مختصر «قيام الليل لمحمد بن نصر» (١٤٨ - ١٥١)، و«نتائج الأفكار» لابن حجر (٣/ ١٩١ - ١٩٥).
535

عن النبيِّ ﷺ أنه قام بآيةٍ يردِّدُها حتى الصباح١؛

وهي قولُه: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨].

فقراءةُ القرآن بالتفكُّر هي أصلُ صلاح القلب.

ولهذا قال ابن مسعود: «لا تَهُذُّوا القرآنَ هَذَّ الشِّعر، ولا تنثروه نثرَ الدَّقَل، وقِفُوا عند عجائبه، وحرِّكوا به القلوب»٢.

وقال ابن مسعود ــ أيضًا ــ: «اقرؤوا القرآن، وحرِّكوا به القلوب، لا يكن همُّ أحدكم آخرَ السورة»٣.

وروى أيوب، عن أبي جمرة، قال: قلت لابن عباس: إني سريعُ القراءة، إني أقرأ القرآنَ في ثلاث. قال: «لأنْ أقرأ سورةً من القرآن في ليلةٍ فأتدبَّرها وأرتِّلها أحبُّ إليَّ من أن أقرأ القرآنَ كما تقرأ»٤.

والتفكُّرُ في القرآن نوعان:

* تفكُّرٌ فيه ليقع على مراد الربِّ تعالى منه.

  1. (١) أخرجه أحمد (٥/ ١٤٩)، والنسائي (١٠١٠)، وابن ماجه (١٣٥٠)، وغيرهم من حديث أبي ذر.
    وصححه الحاكم (١/ ٢٤١) ولم يتعقبه الذهبي. وانظر: «صحيح ابن خزيمة» (١/ ٢٧١)، و«مسند البزار» (٩/ ٤٥١).
  2. (٢) أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (٢/ ٥٢١، ١٠/ ٥٢٥).
    والدَّقَل: رديء التمر ويابسُه. «اللسان».
  3. (٣) أخرجه البيهقي في «شعب الإيمان» (٥/ ٨).
  4. (٤) أخرجه ابن المبارك في «الزهد» (١١٩٣)، وعبد الرزاق في «المصنف» (٢/ ٤٨٩)، والبيهقي في «الكبرى» (٢/ ٣٩٦).
536

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي