تركيبُ الذَّكر في الأنثى، ومنها ما تركيبُه تركيبُ اتصالٍ فقط، وكيف اختلفت أشكالُها باختلاف منافعها؛ كالأضراس، فإنها لما كانت آلةً للطَّحْن جُعِلَت عريضةً، ولما كانت الأسنانُ آلةً للقَطع جُعِلَت مُستدِقَّةً محدَّدة١.
ولما كان الإنسانُ محتاجًا إلى الحركة بجُملة بدنه وببعض أعضائه للتَّردُّد في حاجته لم يجعَل عظامه عظمًا واحدًا، بل عظامًا متعدِّدة، وجعل بينها مفاصل حتى تتيسَّر بها الحركة٢، وكان قَدْرُ كلِّ واحدٍ منها وشكلُه على حسب الحركة المطلوبة منه.
وكيف شَدَّ أسْرَ تلك المفاصل والأعضاء وربط بعضها ببعضٍ بأوتارٍ ورِباطاتٍ أنبتها من أحد طرفي العظم٣، وألصقَ العظمَ بالطَّرف الآخر كالرِّباط له، ثمَّ جعل في أحد طرفي العظم زوائدَ خارجةً عنه، وفي الآخر نُقَرًا غائصةً فيه موافقةً لشكل تلك الزوائد؛ ليدخُل فيها ويَنْطَبِق عليها، فإذا أراد العبدُ أن يحرِّك جزءًا من بدنه لم يمتنع عليه، ولولا المفاصلُ لتعذَّر عليه ذلك.
وتأمَّل كيفيَّة خَلْق الرَّأس، وكثرةَ ما فيه من العظام، حتى قيل: إنها خمسةٌ وخمسون عظمًا٤، مختلفة الأشكال والمقادير والمنافع، وكيف ركَّبه ﷾ على البدن، وجعله عاليًا عليه عُلُوَّ الراكب على مركوبه؛
(٣) (ق): «من طرفي العظم». وسقط من (ت، ن) من قوله: «العظم» إلى: «ثم جعل في» بسبب انتقال النظر. والمثبت من (د، ح) و«الإحياء».
(٤) تفصيلها في «الإحياء» (٤/ ٤٣٦).
ولما كان عاليًا على البدن جَعَل فيه الحواسَّ الخمسَ وآلات الإدراك كلَّها من السَّمع والبصر والشَّمِّ والذَّوق واللَّمس.
وجَعَل حاسَّة البصر في مُقَدَّمه؛ ليكون كالطَّليعة والحَرَس والكاشف للبدن، وركَّب كلَّ عينٍ من سبع طبقات، لكلِّ طبقةٍ وصفٌ مخصوص، ومقدارٌ مخصوص، ومنفعةٌ مخصوصة، لو فُقِدَت طبقةٌ من تلك السَّبع الطِّباق١ أو زالت عن هيئتها وموضعها٢ لتعطَّلت العينُ عن الإبصار.
ثمَّ أركزَ٣ سبحانه داخل تلك الطَّبقات السَّبع خلقًا عجيبًا، وهو إنسانُ العَيْن، بقَدْر العَدَسَة، يبصرُ به ما بين المشرق والمغرب والأرض والسماء، وجَعَله من العين بمنزلة القلب من الأعضاء، فهو مَلِكُها، وتلك الطَّبقاتُ والأجفانُ والأهدابُ خَدَمٌ له وحُجَّابٌ وحُرَّاس، فتبارك الله أحسنُ الخالقين.
فانظر كيف حسَّن شكلَ العينين وهيأتهما ومقدارهما، ثمَّ جمَّلهما بالأجفان غطاءً لهما وسترًا وحفظًا وزينة؛ فهما يلتقيان٤ عن العين الأذى والقذى والغُبار، ويُكِنَّانهما٥ من البارد المؤذي٦ والحارِّ المؤذي، ثمَّ
(١) (ت): «السبع طبقات». (ح): «الطبقات».
(٢) (ق، د): «ومواضعها».
(٣) (ن): «ركز».
(٤) كذا في (د، ق، ح، ن) وجميع نسخ «أيمان القرآن» (٤٥٩). وفي (ت): «يلقيان». وأصلحت في (ط) إلى «يتلقيان». واستعمال «التقى» موضع «تلقى» يقع في كلام المتأخرين. انظر «تكملة المعاجم» لدوزي (٩/ ٢٧٠).