مفتاح دار السعادة
ومن يَكُ ذا فَمٍ مُرٍّ مريضٍيَجِدْ مُرًّا بِه الماءَ الزُّلالا١

ونَصَب سبحانه قَصَبة الأنف في وسط الوجه، فأحسنَ شكلَه وهيئتَه ووضعَه، وفَتَح فيه المَنْخِرَين، وحَجَز بينهما بحاجز، وأودَع فيهما حاسَّة الشَّمِّ التي تُدْرَكُ بها أنواعُ الروائح الطيِّبة والخبيثة والنافعة والضارَّة، وليستنشقَ به الهواءَ فيوصِلَه إلى القلب فيتَروَّح به ويتغذَّى به.

ثمَّ لم يجعل في داخله من الاعوجاجات والغُضون ما جَعَل في الأذن؛ لئلَّا يُمسِك الرائحةَ فيُضعِفَها ويقطع مجراها، وجعله سبحانه مَصَبًّا تنحدِرُ إليه فضلاتُ الدِّماغ فتجتمعُ فيه ثمَّ تخرجُ منه.

واقتضت حكمتُه أنْ جَعَل أعلاه أدقَّ من أسفله؛ لأنَّ أسفله إذا كان واسعًا اجتمعت فيه تلك الفضلاتُ فخرجت بسهولة، ولأنه يأخذُ من الهواء مَلأه ثمَّ يتصاعدُ في مجراه قليلًا قليلًا، حتى يصل إلى القلب وصولًا لا يضرُّه ولا يزعجُه.

ثمَّ فَصَل بين المَنْخِرَين بحاجزٍ بينهما حكمةً منه ورحمة؛ فإنه لما كان قَصَبةً ومجرًى ساترًا لما ينحدرُ فيه٢ من فضلاتِ الرأس ومجرى النَّفَس الصَّاعد منه= جَعَل في وسطه حاجزًا؛ لئلا ينسدَّ٣ بما يجري فيه فيمنعَ نَشْقَه للنَّفَس، بل إمَّا أن يعتمدَ٤ الفضلاتِ نازلةً من أحد المنفذين ــ في

  1. (١) البيت للمتنبي، في ديوانه (١٣٠).
  2. (٢) (د، ق): «ساترا لما ينحدر منه». (ت): «سائر الماء ينحدر منه».
  3. (٣) (ح، ن، ت، ق): «يفسد». تحريف.
  4. (٤) (ح، ن): «تعتمد».
545

الغالب ــ فيبقى الآخرُ للتنفُّس، وإمَّا أن يجري فيهما فينقسم، فلا ينسدَّ الأنفُ جملةً، بل يبقى فيه مدخلٌ١ للنَّفَس.

وأيضًا؛ فإنه لما كان عضوًا واحدًا وحاسَّةً واحدة، ولم يكن عُضوَين وحاسَّتين كالأذنين والعينين التي اقتضت الحكمةُ تعدُّدهما، فإنه ربَّما أصيبت إحداهما أو عَرَضت لها آفةٌ تمنعها من كمالها فتكونُ الأخرى سالمة، فلا تتعطَّل منفعةُ هذا الجنس جملة، وكان وجودُ أنفَين في الوجه شَينًا ظاهرًا، فنَصَب فيه أنفًا واحدًا، وجَعَل فيه منفذَين حَجَز بينهما بحاجزٍ يجري مجرى تعدُّد العينين والأذنين في المنفعة، وهو واحد؛ فتبارك الله ربُّ العالمين وأحسنُ الخالقين.

وشقَّ سبحانه للعبد الفمَ في أحسن موضعٍ وأليقه به، وأودع فيه من المنافع وآلات الذَّوق والكلام وآلات الطَّحن والقَطع ما تبهرُ العقولَ عجائبُه؛ فأودَعه اللسانَ الذي هو أحدُ آياته الدَّالَّة عليه، وجعله ترجمانًا لمَلِك الأعضاء مُبِينًا مؤديًا عنه كما جعل الأذنَ رسولًا مؤديًا مبلِّغًا إليه، فهي رسولُه وبريدُه الذي يؤدِّي إليه الأخبار، واللسانُ بريدُه ورسولُه الذي يؤدِّي عنه ما يريد.

واقتضت حكمتُه سبحانه أنْ جَعَل هذا الرسولَ مَصُونًا محفوظًا مستورًا، غير بارزٍ مكشوفٍ كالأذن والعين والأنف؛ لأنَّ تلك الأعضاء لما كانت تؤدِّي من الخارج إليه جُعِلَت بارزةً ظاهرة، ولما كان اللسانُ مؤديًا منه إلى الخارج جُعِل مستورًا٢ مصونًا؛ لعدم الفائدة في إبرازه؛ لأنه لا يأخذُ

  1. (١) (ت): «منفذ».
  2. (٢) (ح، ن): «سترا». (ت): «منه جعله مستورا». وسقطت «جعل» من (ق).
546

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي