مفتاح دار السعادة

من الخارج إلى القلب.

وأيضًا؛ فإنه لما كان أشرفَ الأعضاء بعد القلب، ومنزلتُه منه منزلة تَرْجُمانه ووزيره، ضُرِب عليه سُرادق يستُره ويصونُه، وجُعِل في ذلك السُّرادق كالقلب في الصَّدر.

وأيضًا؛ فإنه مِنْ ألطف الأعضاء وألينها وأشدِّها رطوبة، وهو لا يتصرَّفُ إلا بواسطة الرطوبة المحيطة به، فلو كان بارزًا صار عُرضةً للحرارة واليُبوسة والنَّشَاف المانع له من التصرُّف.

ولغير ذلك من الحِكَم والفوائد.

ثمَّ زيَّن سبحانه الفمَ بما فيه من الأسنان التي هي جمالٌ له وزينة، وبها قِوامُ العبد وغذاؤه، وجَعَل بعضها أرْحاءَ للطَّحن١، وبعضها آلةً للقَطع، فأحكم أصولَها، وحَدَّد رؤوسَها، وبيَّض لونها، ورتَّب صفوفَها، متساويةَ الرؤوس، متناسقةَ التَّرتيب، كأنها الدُّرُّ المنظومُ بياضًا وصفاءً وحُسْنًا.

وأحاط سبحانه على ذلك كلِّه٢ حائطَيْن، وأودعهما من المنافع والحِكَم ما أودعهما، وهما الشَّفتان؛ فحَسَّن لونهما وشكلَهما ووضعَهما وهيأتهما، وجعلهما غطاءً للفم وطَبَقًا له، وجعلهما إتمامًا لمخارج حروف الكلام ونهايةً له، كما جَعَل أقصى الحلق بدايةً له، واللسانَ وما جاوره وَسَطًا، ولهذا كان أكثرُ العمل فيها٣ له؛ إذ هو الواسطة.

  1. (١) الأرحاء: جمع رحى.
  2. (٢) «كله» ليست في (ت، ح).
  3. (٣) (ن): «فيهما».
547

واقتضت حكمتُه أنْ جَعَل الشفتين لحمًا صِرفًا لا عَظمَ فيه ولا عَصَب؛ ليتمكَّن بهما من مَصِّ الشَّراب، ويَسْهُل عليه فتحُهما وطَبْقُهما.

وخَصَّ الفكَّ الأسفل بالتحريك؛ لأنَّ تحريكَ الأخفِّ أحسن، ولأنه١ يشتملُ على الأعضاء الشريفة فلَم يخاطِر بها في الحركة.

وخلق سبحانه الحناجرَ مختلفةَ الأشكال في الضِّيق والسَّعة، والخشونة والمَلاسة، والصَّلابة واللِّين، والطُّول والقِصَر؛ فاختلفَت بذلك الأصواتُ أعظمَ اختلاف، ولا يكادُ يشتبهُ صوتان إلا نادرًا.

ولهذا كان الصحيحُ قبول شهادة الأعمى٢؛ لتمييزه بين الأشخاص بأصواتهم كما يميِّزُ البصيرُ بينهم بِصُوَرهم، والاشتباهُ العارض بين الأصوات كالاشتباه العارض بين الصُّوَر.

وزيَّن سبحانه الرأسَ بالشَّعر، وجَعَله لباسًا له؛ لاحتياجه إليه، وزيَّن الوجه بما أنبت فيه من الشُّعور المختلفة الأشكال والمقادير، فزيَّنه بالحاجبين، وجعلهما وقايةً لما ينحدر٣ مِن بَشَرَة الرأس إلى العينين، وقَوَّسهما، وأحسنَ خطَّهما، وزيَّن أجفانَ العينين بالأهداب، وزيَّن الوجه أيضًا باللِّحية، وجعلها كمالًا ووقارًا ومهابةً للرَّجُل، وزيَّن الشفتين بما أنبت

  1. (١) أي: الفك الأعلى.
  2. (٢) فيما طريقُه السمع، إذا عَرَفَ الصوت. انظر: «إعلام الموقعين» (١/ ١٢١)، و«الطرق الحكمية» (٥٥١)، و«أيمان القرآن» (٦١٤).
    وانظر للخلاف في قبول شهادته: «أحكام القرآن» للجصاص (٢/ ٢٢٦)، و«المحلى» (٩/ ٤٣٣)، و«المغني» (١٤/ ١٧٨).
  3. (٣) (ن): «يتحدر».
548

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي