وكذلك خَلْقُه سبحانه لليدين اللتين هما آلةُ العبد وسلاحُه ورأسُ ماله ومعاشُه١، فطوَّلهما بحيث يَصِلان إلى ما شاء من بدنه، وعرَّض الكفَّ ليتمكَّن بها من القبض والبسط، وقسَّم فيه الأصابعَ الخمس، وقسَّم كلَّ إصبعٍ بثلاث أناملَ والإبهامَ باثنتين، ووضعَ الأصابعَ الأربعةَ في جانبٍ والإبهامَ في جانب؛ لتدور الإبهامُ على الجميع؛ فجاءت على أحسن وضعٍ صَلحت به للقبض والبسط ومباشرة الأعمال، ولو اجتمع الأولون والآخِرون على أن يستنبطوا بدقيق أفكارهم وضعًا آخر للأصابع سوى ما وُضِعَت عليه لم يجدوا إليه سبيلًا.
فتبارك من لو شاء لسوَّاها وجَعَلها طَبَقًا واحدًا كالصَّفيحة، فلم يتمكَّن العبدُ بذلك من مصالحه وأنواع تصرُّفاته ودقيق الصَّنائع والخطِّ وغير ذلك، فإن بَسَط أصابعه كانت طَبَقًا يضعُ عليه ما يريد، وإن ضمَّها وقبضَها كانت دبُّوسًا٢ وآلةً للضَّرب، وإن جَعَلها بين الضَّمِّ والبسط كانت مِغْرَفةً له يتناولُ بها ويمسكُ فيها ما يتناولُه.
وركَّبَ الأظفارَ على رؤوسها زينةً لها وعِمادًا٣ ووقاية، وليلتقط بها الأشياء الدَّقيقة التي لا ينالها جسمُ الأصبع، وجَعَلها سلاحًا لغيره من الحيوان والطَّير، وآلةً لمعاشه، وليَحُكَّ الإنسانُ بها بدنه عند الحاجة؛ فالظُّفرُ الذي هو أقلُّ الأعضاء وأحقرُها لو عَدِمَه الإنسانُ ثمَّ ظهرت به حِكَّةٌ
(١) (ح، ن): «ورأس مال معاشه».
(٢) الدبوس: هراوةٌ مدملكة الرأس، كما سيأتي (ص: ١٠٣٥).
(٣) (د، ق، ت): «واعتمادا». والمثبت من (ن، ح) و«الإحياء».
لاشتدَّت حاجتُه إليه، ولم يَقُم مقامه شيءٌ في حكِّ بدنه، ثمَّ هدى١ اليدَ إلى موضع الحكِّ حتى تمتدَّ إليه ولو في النَّوم والغفلة من غير حاجةٍ إلى طلب، ولو استعان بغيره لم يَعْثُر على موضع الحكِّ إلا بعد تعبٍ ومشقَّة!
ثمَّ انظر إلى الحكمة البالغة في جَعل عظام أسفل البدن غليظةً قويَّة؛ لأنها أساسٌ له، وعظام أعاليه دونها في الثَّخانة والصَّلابة؛ لأنها محمولة.
ثمَّ انظر كيف جَعَل الرَّقبة مَرْكبًا للرأس، وركَّبها من سبع خَرَزاتٍ٢ مجوَّفاتٍ مستديرات، ثمَّ طبَّق بعضها على بعض، وركَّب كلَّ خَرَزةٍ على صاحبتها٣ تركيبًا محكمًا متقنًا حتى صارت كأنها خرزةٌ واحدة، ثمَّ ركَّب الرَّقبة على الظَّهر والصَّدر، ثمَّ ركَّب الظَّهر من أعلاه إلى منتهى عَظم العَجُز من أربعٍ وعشرين خرزةً مركَّبةً بعضها في بعضٍ هي مَجْمَعُ أضلاعه والتي تمسكُها أن تنحَلَّ وتنفصل، ثمَّ وَصَل تلك العظام بعضها ببعض؛ فوصل عظامَ الظَّهر بعظام الصَّدر، وعظامَ الكتفين بعظام العَضُدَين، والعَضُدَين بالذِّراعين، والذِّراعين بالكفِّ والأصابع.
وانظر كيف كسا العظامَ العريضةَ كعظام الظَّهر والرأس كسوةً من اللحم تناسبُها، والعظامَ الدَّقيقةَ كسوةً تناسبها كالأصابع، والمتوسِّطةَ كذلك كعظام الذِّراعين والعَضُدَين، فهو مركَّبٌ على ثلاث مئةٍ وستِّين عظمًا؛ منها مئتان وثمانيةٌ وأربعون مفاصل، وباقيها صغارٌ حُشِيَت خِلال المفاصل، فلو زادت