مفتاح دار السعادة

عند التهاب نار الغضب والشهوة، وعند الهمِّ الشديد١، ومع التَّعب والحركات القوية البدنية والنفسانية.

وهذا بحثٌ متصلٌ بقاعدةٍ أخرى، وهي: أنَّ الحواسَّ والعقل، مبدؤها القلبُ أو الدِّماغ؟٢

فقالت طائفة: مبدؤها كلِّها القلب، وهي مرتبطةٌ به، وبينه وبين الحواسِّ منافذُ وطرق.

قالوا: وكلُّ واحدٍ من هذه الأعضاء التي هي آلاتُ الحواسِّ له اتصالٌ بالقلب بأعصابٍ وغير ذلك، وهذه الأعصابُ تخرجُ من القلب إلى أن تأتي إلى كلِّ واحدٍ من هذه الأجسام٣ التي فيها هذه الحواسُّ، ومنشأ هذه الأعضاء من القلب، وهو مركَّبٌ من أشياء تُشاكِل جميعَ هذه الأجسام التي فيها هذه الحواسُّ٤.

قالوا: فالعينُ إذا أبصرت شيئًا أدَّته بالآلة التي فيها إلى القلب؛ لأنَّ هذه الآلة متصلةٌ منها إلى القلب، والسَّمعُ إذا أحسَّ صوتًا أدَّاه إلى القلب، وكذلك كلُّ حاسَّة.

  1. (١) (ن): «وعند الهم والشدائد».
  2. (٢) انظر: «مجموع الفتاوى» (٩/ ٣٠٣)، و«المسودة» (٩٨٢)، و«أيمان القرآن» (٦١٢)، و«المقدمات والممهدات» (٣/ ٣٣٤)، و«شرح الكوكب المنير» (١/ ٨٣) وحواشيه، و«أضواء البيان» للشنقيطي (٥/ ٧١٥)، ومجموع آثاره (٢٣ ــ الفتاوى)، و«إزالة الستار» لابن عثيمين (٦٦)، وغيرها.
  3. (٣) (ت): «تخرج من القلب من أشياء تشاكل جميع الأجسام».
  4. (٤) من قوله: «ومنشأ هذه الأعضاء» إلى هنا من (د، ق).
555

ثمَّ أوردوا على أنفسهم سؤالًا، فقالوا: إن قيل: كيف يجوزُ أن يكون عضوٌ واحدٌ على ضروبٍ من الامتزاج يُمِدُّ عدَّة حواسَّ مختلفة، وأجسامُ هذه الحواسِّ مختلفة، وقوَّةُ كلِّ حاسَّةٍ مخالفةٌ لقوَّة الحاسَّة الأخرى؟

وأجابوا عن ذلك: بأنَّ جميعَ العروق التي في البدن كلها متصلةٌ بالقلب، إما بأنفسها وإما بواسطة، فما مِن عِرقٍ ولا عُضوٍ إلا وله اتصالٌ بالقلب اتصالًا قريبًا أو بعيدًا.

قالوا: وينبعثُ منه في تلك العروق والمجاري إلى كلِّ عضوٍ ما يناسبُه ويُشاكِلُه، فينبعثُ منه إلى العينين ما يكونُ منه حِسُّ١ البصر، وإلى الأذنين ما يُدرِكُ به المسموعات، وإلى اللَّحم ما يكونُ منه حِسُّ اللَّمس، وإلى الأنف ما يكون منه حِسُّ الشَّمِّ، وإلى اللسان ما يكونُ منه حِسُّ الذَّوق، وإلى كلِّ ذي قوَّةٍ ما يُمِدُّ قوَّتَه ويحفظُها، فهو المُمِدُّ لهذه الأعضاء والحواسِّ والقُوى؛ ولهذا كان الرأيُ الصحيحُ أنه أوَّلُ الأعضاء تكونًا٢.

قالوا: ولا ريب أنَّ مبدأ القوَّة العاقلة منه، وإن كان قد خالفَ في ذلك آخرون، وقالوا: بل العقلُ في الرأس؛ فالصوابُ أنَّ مبدأه ومنشأه من القلب، وفروعَه وثمرتَه في الرأس، والقرآنُ قد دلَّ على هذا بقوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ [الحج: ٤٦]، وقال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: ٣٧]، ولم يُرِد بالقلب هنا مُضغةَ اللحم المشتركةَ بين الحيوانات، بل المرادُ ما فيه من العقل واللُّبِّ.

  1. (١) (ت): «حسن». وهكذا في المواضع التالية.
  2. (٢) (ح، ن): «تكوينا».
556

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي