وأنت ترى الكوكبَ كأنه واقفٌ لا يسير١، وهو من أوَّل٢ جزءٍ من طلوعه إلى تمام طلوعه يكونُ فَلَكُه قد طلَع بقَدْر مسافة الأرض مئة مرَّةٍ أو أكثر، وذلك بقَدْر لحظةٍ واحدة؛ لأنَّ الكوكبَ إذا كان بقَدْر الأرض مئة مرَّةٍ ــ مثلًا ــ ثمَّ سار في اللحظة من موضعٍ إلى موضعٍ فقد قَطع بقَدْر مسافة الأرض مئة مرَّةٍ وزيادة في لحظةٍ من اللحظات. وهكذا يسيرُ على الدَّوام والعبدُ غافلٌ عنه وعن آياته.
وقال بعضهم: إذا تلفَّظتَ بقولك: لا، نَعَم، فبين اللفظتين تكونُ الشمسُ قد قَطَعَت من الفَلك مسيرةَ خمس مئة عام.
ثمَّ إنه سبحانه أمسك السَّموات مع عِظَمها وعِظَم ما فيها، وثبَّتها مِن غير عِلاقةٍ مِن فوقها٣ ولا عَمَدٍ مِن تحتها، الله الذي ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ ١٠ هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾[لقمان: ١٠ - ١١].
(٣) العِلاقة: المِعلاق الذي يُعَلَّقُ به الشيء. «اللسان» (علق).
(٤) «الإحياء» (٤/ ٤٤٥).
وسَعَتَها؛ وهذا نظرٌ يشاركُ الإنسانَ فيه غيرُه من الحيوانات، وليس هو المقصود بالأمر.
* والثاني: أن يتجاوز هذا إلى النظر بالبصيرة الباطنة، فتُفْتَحُ له١ أبوابُ السَّماء، فيجولُ في أقطارها وملكوتها وبين ملائكتها، ثمّ يُفْتَحُ له بابٌ بعد باب، حتى ينتهي به سيرُ القلب إلى عرش الرحمن، فينظر سَعَته وعظمته وجلاله ومَجْده ورِفْعَته، ويرى السَّموات السَّبعَ والأرضينَ السَّبعَ بالنسبة إليه كحَلْقَةٍ مُلقاةٍ بأرضٍ فلاة، ويرى الملائكةَ حافِّين من حوله، لهم زَجَلٌ بالتسبيح والتحميد والتقديس والتكبير، والأمرُ ينزلُ مِن فوقه بتدبير الممالك والجنود التي لا يعلمُها إلا ربُّها ومليكُها.