اجتذابه من مقرِّه ومركزه إلى فوق، ثمَّ ينصرفُ في تلك المجاري بحسب قبولها وسَعَتها وضيقها، ثمَّ تتفرَّقُ وتتشعَّبُ وتَدِقُّ إلى غايةٍ لا ينالها البصر.
ثمَّ انظر إلى تكوُّن حَمْل الشجر ونُقْلَتِه١ من حالٍ إلى حال، كتنقُّل أحوال الجنين المغيَّب عن الأبصار، ترى العجبَ العُجاب؛ فتبارك الله ربُّ العالمين وأحسنُ الخالقين.
بَيْنا تراها حَطبًا قائمًا عاريًا لا كسوة عليها، إذ كساها ربُّها وخالقُها من الزَّهْر أحسنَ كسوة، ثمَّ سَلَبَها تلك الكسوةَ وكساها من الوَرَق كسوةً هي أثبتُ من الأولى، ثمَّ أطلَع فيها حَمْلَها ضعيفًا ضئيلًا، بعد أن أخرَج ورقَها صيانةً وثوبًا لتلك الثَّمرة الضعيفة، تستَجِنُّ به٢ من الحرِّ والبرد والآفات، ثمَّ ساق إلى تلك الثِّمار رزقَها، وغذَّاها في تلك العُروق والمجاري، فتغذَّت به كما يتغذَّى الطفلُ بلبان أمِّه، ثمَّ ربَّاها ونمَّاها شيئًا فشيئًا حتى استوت وكَمُلَت وتناهى إدراكُها، فأخرَج ذلك الجَنى اللذيذَ الليِّن من تلك الحطَبة الصَّمَّاء.
هذا، وكم لله من آيةٍ في كلِّ ما يقعُ الحسُّ عليه ويبصرُه العبادُ وما لا يبصرُونه٣، تفنى الأعمارُ دون الإحاطة بها وبجميع تفاصيلها.
فصل
ومن آياته ﷾: الليلُ والنَّهار، وهما من أعجب آياته وبدائع
فانظر إلى هاتين الآيتين وما تضمَّنتاه من العبرة والدَّلالة١ على ربوبيَّة الله وحكمته:
كيف جعَل الليلَ سَكَنًا ولباسًا يغشى العالمَ فتسكُن فيه الحركات، وتأوي الحيواناتُ إلى بيوتها، والطَّيرُ إلى أوكارها، وتستَجِمُّ فيه النُّفوسُ وتستريحُ من كدِّ السَّعي والتَّعب.
حتى إذا أخذتْ منه النُّفوسُ راحتَها وسُباتها، وتطلَّعت إلى معايشها وتصرُّفها، جاء فالقُ الإصباح ﷾ بالنَّهار يَقْدُمُ جيشَه بشيرُ الصَّباح، فهزَم تلك الظُّلمةَ ومزَّقها كلَّ ممزَّق، وأزالها وكشَفها عن العالم فإذا هم مبصرون، فانتشرَ الحيوانُ وتصرَّف في معاشه ومصالحه وخرجت الطُّيورُ من أوكارها.
فيا له من مَعادٍ ونشأةٍ دالٍّ على قدرة الله سبحانه على المعاد الأكبر، وتكرُّره ودوامُ٢ مشاهدة النُّفوس له بحيثُ صار عادةً ومَألفًا منَعها عن