الحيوانُ الأرضيُّ في الأرض. وهذا حقٌّ، ولكنَّه يوجبُ الاعترافَ بقدرة الله وإرادته ومشيئته، وعلمه وحكمته، وصفات كماله. ولا محيصَ عنه.
وفي «مسند الإمام أحمد»١ عن النبيِّ ﷺ أنه قال: «ما مِن يومٍ إلا والبحرُ يستأذنُ ربَّه أن يُغْرِق بني آدم».
وهذا أحدُ الأقوال في قوله ﷿: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾[الطور: ٦]: أنه المحبوس. حكاه ابنُ عطيَّة٢ وغيرُه.
قالوا: «ومنه: ساجورُ الكلب؛ وهي القلادةُ من عودٍ أو حديدٍ التي تمسِكُه. ولذلك٣ لولا أنَّ الله سبحانه يحبسُ البحرَ ويمسِكُه لفاض على الأرض»؛ فالأرض في البحر كبيتٍ في جملة الأرض.
وإذا تأمَّلتَ عجائبَ البحر وما فيه من الحيوانات على اختلاف أجناسها، وأشكالها، ومقاديرها، ومنافعها ومضارِّها، وألوانها، حتى إنَّ فيها حيوانًا أمثال الجبال لا يقومُ له شيء٤، حتى إنَّ فيه من الحيوانات ما يُرى
(١) (١/ ٤٣)، وإسحاق بن راهويه ــ كما في «المطالب العالية» (٢/ ٣٤٣) ــ، ومن طريقه الإسماعيلي ــ كما في «مسند الفاروق» لابن كثير (٢/ ٦٠٧)، و«التفسير» (٧/ ٣٣١٤) ــ من حديث عمر بن الخطاب ﵁ بإسنادٍ ضعيف؛ فيه راوٍ لم يُسَمَّ، وآخر لم أر فيه توثيقًا معتبرًا. وانظر: «العلل المتناهية» (١/ ٤١)، و«الضعيفة» (٤٣٩٢). وقد ساق المصنف الحديث بمعناه.
ظهورُها فيُظنُّ أنها جزيرة، فينزلُ الرُّكَّابُ عليها، فتُحِسُّ بالنَّار إذا أُوقِدَت، فتتحرَّك، فيُعْلَمُ أنه حيوان١.
وما من صنفٍ من أصنافِ حيوان البرِّ إلا وفي البحر أمثالُه، حتى الإنسانُ والفَرسُ والبقرُ٢ وأضعافُها٣، وفيه أجناسٌ لا يُعْهَدُ لها نظيرٌ في البرِّ أصلًا٤.
هذا مع ما فيه من الجواهر واللؤلؤ والمرجان؛ فترى اللؤلؤةَ كيف أُودِعَت في كِنٍّ كالبيت لها٥ ــ وهي الصَّدَفة ــ تَكُنُّها وتحفظها، ومنه: «اللؤلؤ المكنون»، وهو الذي في صَدَفِه لم تمسَّه الأيدي.
وتأمَّل كيف نبتَ المرجانُ في قَعْرِه في الصَّخرة الصمَّاء تحت الماء على هيئة الشجر.
هذا مع ما فيه من العَنبر وأصناف النَّفائس التي يقذفُها البحرُ وتُستخرَجُ منه.
ثمَّ انظر إلى عجائب السُّفن وسَيْرها في البحر، تَشُقُّه وتَمْخَرُه بلا قائدٍ يقودُها ولا سائقٍ يسوقُها، وإنما قائدُها وسائقُها الرِّياحُ التي يسخِّرها الله لإجرائها، فإذا حُبِسَ عنها القائدُ والسَّائقُ ظلَّت راكدةً على وجه الماء.
(١) انظر: «الإحياء» (٤/ ٤٤٢).
(٢) (ح، ن): «والبعير». والمثبت من (د، ق، ت) و«الإحياء».
(٣) (ح، ن): «وأصنافها». والمثبت من (د، ق، ت) و«الإحياء».