مفتاح دار السعادة

ظهورُها فيُظنُّ أنها جزيرة، فينزلُ الرُّكَّابُ عليها، فتُحِسُّ بالنَّار إذا أُوقِدَت، فتتحرَّك، فيُعْلَمُ أنه حيوان١.

وما من صنفٍ من أصنافِ حيوان البرِّ إلا وفي البحر أمثالُه، حتى الإنسانُ والفَرسُ والبقرُ٢ وأضعافُها٣، وفيه أجناسٌ لا يُعْهَدُ لها نظيرٌ في البرِّ أصلًا٤.

هذا مع ما فيه من الجواهر واللؤلؤ والمرجان؛ فترى اللؤلؤةَ كيف أُودِعَت في كِنٍّ كالبيت لها٥ ــ وهي الصَّدَفة ــ تَكُنُّها وتحفظها، ومنه: «اللؤلؤ المكنون»، وهو الذي في صَدَفِه لم تمسَّه الأيدي.

وتأمَّل كيف نبتَ المرجانُ في قَعْرِه في الصَّخرة الصمَّاء تحت الماء على هيئة الشجر.

هذا مع ما فيه من العَنبر وأصناف النَّفائس التي يقذفُها البحرُ وتُستخرَجُ منه.

ثمَّ انظر إلى عجائب السُّفن وسَيْرها في البحر، تَشُقُّه وتَمْخَرُه بلا قائدٍ يقودُها ولا سائقٍ يسوقُها، وإنما قائدُها وسائقُها الرِّياحُ التي يسخِّرها الله لإجرائها، فإذا حُبِسَ عنها القائدُ والسَّائقُ ظلَّت راكدةً على وجه الماء.

  1. (١) انظر: «الإحياء» (٤/ ٤٤٢).
  2. (٢) (ح، ن): «والبعير». والمثبت من (د، ق، ت) و«الإحياء».
  3. (٣) (ح، ن): «وأصنافها». والمثبت من (د، ق، ت) و«الإحياء».
  4. (٤) انظر: «الإحياء» (٤/ ٤٤٢)، و«الحيوان» (٧/ ١٤٠)، و«تفسير القرطبي» (٦/ ٣٢٠).
  5. (٥) (ت): «في بيت لها».
582

قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ ٣٢ إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [الشورى: ٣٢ - ٣٣]، وقال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ١٤].

فما أعظمَها من آيةٍ وأبينَها من دلالة! ولهذا يكرِّرُ سبحانه ذِكرَها في كتابه كثيرًا.

وبالجملة؛ فعجائبُ البحر وآياتُه أعظمُ وأكثرُ من أن يحصيها إلا الله سبحانه؛ وقال الله تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ ١١ لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١١ - ١٢].

فصل

ومن آياته سبحانه: خلقُ الحيوان على اختلاف أصنافه وأجناسه وأشكاله ومنافعه وألوانه وعجائبه المودَعة فيه؛ فمنه الماشي على بطنه، ومنه الماشي على رجليه، ومنه الماشي على أربَع، ومنه ما جُعِل سلاحُه في رجليه ــ وهو ذو المخالب ــ، ومنه ما سلاحُه١ المناقير، كالنَّسر والرَّخَم والغُراب، ومنه ما سلاحُه الأسنان، ومنه ما سلاحُه الصَّياصي ــ وهي القُرون ــ يُدافِعُ بها عن نفسه من يرومُ أخذَه، ومنها ما أُعطِي قوَّةً٢ يَدْفَعُ بها عن نفسه لم يحتَج

  1. (١) (ح، ن): «ما جعل سلاحه».
  2. (٢) (ن، ح): «وما أعطي منها قوة».
583

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي