مفتاح دار السعادة

والدَّلالات الشاهدة لله بأنه الله الذي لا إله إلا هو، الذي ليس كمثله شيء، وأنه الذي لا أعظمَ منه ولا أكمَل، ولا أبرَّ ولا ألطف= لعَجَزنا نحن والأوَّلون والآخرون عن معرفة أدنى عُشْرِ معشارِ ذلك، ولكنَّ ما لا يُدْرَكُ جميعُه لا ينبغي تركُه البتَّة والتنبيه١ على بعض ما يُستَدلُّ به على ذلك.

وهذا حين الشُّروع في الفصول٢:

فصل٣

تأمَّل العِبرة في وَضع٤ هذا العالَم، وتأليف أجزائه، ونَظْمِها على أحسن نظامٍ وأدلِّه على كمال قدرة خالقه، وكمال علمه، وكمال حكمته، وكمال لُطفه.

فإنَّك إذا تأمَّلتَ العالم وجدتَه كالبيت المبنيِّ المُعَدِّ فيه جميعُ آلاته ومصالحه وكلُّ ما يحتاجُ إليه؛ فالسَّماءُ سقفُه المرفوعُ عليه، والأرض مِهادٌ وبساطٌ وفِراشٌ ومستقَرٌّ للسَّاكن، والشمسُ والقمرُ سراجان يُزْهِران فيه، والنُّجومُ مصابيحُ له وزينةٌ وأدلَّةٌ للمتنقِّل٥ في طرق هذه الدَّار، والجواهرُ

  1. (١) (ق) بدون الواو. (ح، ن): «ترك التنبيه والتنبيه». (ت): «ترك التنبيه».
  2. (٢) أصول هذه الفصول من كتاب «الدلائل والاعتبار» المنسوب للجاحظ، وسبق في المقدمة بيان التنازع في نسبته، وقد أدخلت أهمَّ قراءاته في فروق النسخ ورمزت له بـ (ر)، ورمزت لنسخة «توحيد المفضل» بـ (ض).
  3. (٣) «الدلائل والاعتبار» (٣)، «توحيد المفضل» (١١ - ١٢).
  4. (٤) (ض): «تهيئة».
  5. (٥) (ت، ح): «للمنتقل».
586

والمعادنُ مخزونةٌ فيه كالذخائر والحواصِل١ المُعَدَّة المهيَّأة كلُّ شيءٍ منها لشأنه الذي يصلُح له٢، وضروبُ النَّبات مهيَّأةٌ لمآربه، وصنوفُ الحيوان مصرَّفةٌ٣ في مصالحه؛ فمنها الرَّكُوب، ومنها الحَلُوب، ومنها الغذاء، ومنها الدَّواءُ٤، ومنها اللباسُ والأمتعةُ والآلات٥، ومنها الحرَسُ الذي وُكِّل بحَرْسِ الإنسان؛ يحرُسه وهو نائمٌ وقاعدٌ مما هو مستعدٌّ لإهلاكه وأذاه، فلولا ما سُلِّط عليه من ضدِّه لم يستقرَّ للإنسان قرارٌ بينهم، وجعَل الإنسانَ كالملِك المخوَّل في ذلك المحكَّم فيه، المتصرِّف بفعله وأمره.

ففي هذا أعظمُ دلالةٍ وأوضحُها على أنَّ العالم مخلوقٌ لخالقٍ حكيمٍ قديرٍ عليم، قدَّره أحسنَ تقدير، ونظَّمه أحسنَ نظام، وأنَّ الخالقَ له يستحيلُ أن يكون اثنين، بل إلهٌ واحد، لا إله إلا هو، تعالى عمَّا يقولُ الظَّالمون والجاحدون عُلوًّا كبيرًا، وأنه لو كان في السَّموات والأرض إلهٌ غيرُ الله لفسَد أمرُهما، واختلَّ نظامُهما، وتعطَّلت مصالحهما.

وإذا كان البدنُ يستحيلُ أن يكون المدبِّرَ له رُوحان متكافئان متساويان، ولو كان كذلك لفسَد وهلَك، مع إمكان أن يكونا تحت قَهْرِ ثالث؛ فكيف يمكنُ أن يكون المدبِّر لهذا العالم العُلويِّ والسُّفليِّ إلهين متكافئين متساويين ليسا تحت قَهْرِ ثالث٦؟!

  1. (١) الحواصل، جمع حاصل، وهو المستودع والمخزن. «تكملة المعاجم» (٣/ ٢٢٠).
  2. (٢) (ر): «والجواهر مخزونة في معادنها كالذخائر».
  3. (٣) (ض): «مصروفة».
  4. (٤) «ومنها الدواء» ليست في (ت، ح، ن).
  5. (٥) (ح): «والآلة».
  6. (٦) من قوله: «فكيف يمكن» إلى هنا، ساقطٌ من (ت، ق، ن) لانتقال النظر.
587

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي