مفتاح دار السعادة

والمعادنُ مخزونةٌ فيه كالذخائر والحواصِل١ المُعَدَّة المهيَّأة كلُّ شيءٍ منها لشأنه الذي يصلُح له٢، وضروبُ النَّبات مهيَّأةٌ لمآربه، وصنوفُ الحيوان مصرَّفةٌ٣ في مصالحه؛ فمنها الرَّكُوب، ومنها الحَلُوب، ومنها الغذاء، ومنها الدَّواءُ٤، ومنها اللباسُ والأمتعةُ والآلات٥، ومنها الحرَسُ الذي وُكِّل بحَرْسِ الإنسان؛ يحرُسه وهو نائمٌ وقاعدٌ مما هو مستعدٌّ لإهلاكه وأذاه، فلولا ما سُلِّط عليه من ضدِّه لم يستقرَّ للإنسان قرارٌ بينهم، وجعَل الإنسانَ كالملِك المخوَّل في ذلك المحكَّم فيه، المتصرِّف بفعله وأمره.

ففي هذا أعظمُ دلالةٍ وأوضحُها على أنَّ العالم مخلوقٌ لخالقٍ حكيمٍ قديرٍ عليم، قدَّره أحسنَ تقدير، ونظَّمه أحسنَ نظام، وأنَّ الخالقَ له يستحيلُ أن يكون اثنين، بل إلهٌ واحد، لا إله إلا هو، تعالى عمَّا يقولُ الظَّالمون والجاحدون عُلوًّا كبيرًا، وأنه لو كان في السَّموات والأرض إلهٌ غيرُ الله لفسَد أمرُهما، واختلَّ نظامُهما، وتعطَّلت مصالحهما.

وإذا كان البدنُ يستحيلُ أن يكون المدبِّرَ له رُوحان متكافئان متساويان، ولو كان كذلك لفسَد وهلَك، مع إمكان أن يكونا تحت قَهْرِ ثالث؛ فكيف يمكنُ أن يكون المدبِّر لهذا العالم العُلويِّ والسُّفليِّ إلهين متكافئين متساويين ليسا تحت قَهْرِ ثالث٦؟!

  1. (١) الحواصل، جمع حاصل، وهو المستودع والمخزن. «تكملة المعاجم» (٣/ ٢٢٠).
  2. (٢) (ر): «والجواهر مخزونة في معادنها كالذخائر».
  3. (٣) (ض): «مصروفة».
  4. (٤) «ومنها الدواء» ليست في (ت، ح، ن).
  5. (٥) (ح): «والآلة».
  6. (٦) من قوله: «فكيف يمكن» إلى هنا، ساقطٌ من (ت، ق، ن) لانتقال النظر.
587

هذا من المُحال في أوائل العقول وبَدائه الفِطر، فـ ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٢]، ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ٩١ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون: ٩١ - ٩٢].

فهذان بُرهانان يعجَزُ الأوَّلون والآخرون أن يقدحوا فيهما بقدحٍ صحيحٍ أو يأتوا بأحسنَ منهما، ولا يَعترِضُ عليهما إلا من لم يفهَم المرادَ منهما، ولولا خشيةُ الإطالة لذكرنا تقريرَهما١ وبيانَ ما تضمَّناه من السرِّ العجيب والبرهان الباهر٢، وسنفردُ ــ إن شاء الله ــ كتابًا مستقلًا لأدلَّة التَّوحيد٣.

  1. (١) (ت، ح): «تقديرهما».
  2. (٢) انظر: «الصواعق المرسلة» (٤٦٣)، و«الداء والدواء» (٤٧٠)، و«إعلام الموقعين» (٣/ ٢٧٤).
  3. (٣) لم أر له ذكرًا عند ابن القيم في غير هذا الموضع، ولم أقف عليه ضمن قوائم مصنفاته عند مترجميه، ولا عثرتُ على من نقل عنه؛ فلعله لم يتيسَّر له تصنيفه، وقد تمنى ﵀ إفراد بعض المباحث بالتصنيف، فلم يتم له ذلك. انظر: كتاب «ابن قيم الجوزية» للشيخ بكر (٢٣٢، ٢٣٤، ٢٤٤، ٢٤٨، ...).
    وهذه جملةٌ من المواضع التي بحث فيها أدلة التوحيد: «مدارج السالكين» (٣/ ٤٨٨)، و«الصواعق المرسلة» (٤٦٠ - ٤٦٧، ١١٩٧)، و«طريق الهجرتين» (٩٢، ٢٥٧، ٢٥٩)، و«أيمان القرآن» (١٠، ٢٧، ٥٩، ١٣٩، ٢٥٠، ٢٥٣، ٢٦١، ٣٠٢، ٥٦٩)، و«الداء والدواء» (٨٢، ٤٧١)، و«بدائع الفوائد» (٧٨٠، ١٥٤٣، ١٥٩١)، و«شفاء العليل» (٩٣، ٣٨٠، ٤١١)، و«أحكام أهل الذمة» (١٠١٣)، وفهرس العقيدة آخر الكتاب.
588

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي