مفتاح دار السعادة

هذا من المُحال في أوائل العقول وبَدائه الفِطر، فـ ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٢]، ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ٩١ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون: ٩١ - ٩٢].

فهذان بُرهانان يعجَزُ الأوَّلون والآخرون أن يقدحوا فيهما بقدحٍ صحيحٍ أو يأتوا بأحسنَ منهما، ولا يَعترِضُ عليهما إلا من لم يفهَم المرادَ منهما، ولولا خشيةُ الإطالة لذكرنا تقريرَهما١ وبيانَ ما تضمَّناه من السرِّ العجيب والبرهان الباهر٢، وسنفردُ ــ إن شاء الله ــ كتابًا مستقلًا لأدلَّة التَّوحيد٣.

  1. (١) (ت، ح): «تقديرهما».
  2. (٢) انظر: «الصواعق المرسلة» (٤٦٣)، و«الداء والدواء» (٤٧٠)، و«إعلام الموقعين» (٣/ ٢٧٤).
  3. (٣) لم أر له ذكرًا عند ابن القيم في غير هذا الموضع، ولم أقف عليه ضمن قوائم مصنفاته عند مترجميه، ولا عثرتُ على من نقل عنه؛ فلعله لم يتيسَّر له تصنيفه، وقد تمنى ﵀ إفراد بعض المباحث بالتصنيف، فلم يتم له ذلك. انظر: كتاب «ابن قيم الجوزية» للشيخ بكر (٢٣٢، ٢٣٤، ٢٤٤، ٢٤٨، ...).
    وهذه جملةٌ من المواضع التي بحث فيها أدلة التوحيد: «مدارج السالكين» (٣/ ٤٨٨)، و«الصواعق المرسلة» (٤٦٠ - ٤٦٧، ١١٩٧)، و«طريق الهجرتين» (٩٢، ٢٥٧، ٢٥٩)، و«أيمان القرآن» (١٠، ٢٧، ٥٩، ١٣٩، ٢٥٠، ٢٥٣، ٢٦١، ٣٠٢، ٥٦٩)، و«الداء والدواء» (٨٢، ٤٧١)، و«بدائع الفوائد» (٧٨٠، ١٥٤٣، ١٥٩١)، و«شفاء العليل» (٩٣، ٣٨٠، ٤١١)، و«أحكام أهل الذمة» (١٠١٣)، وفهرس العقيدة آخر الكتاب.
588

فصل١

تأمَّل خلقَ السَّماء، وارجِع البصرَ فيها كرَّةً بعد كرَّة، كيف تراها من أعظم الآيات في عُلوِّها وارتفاعها وسَعَتها وقرارها، بحيث لا تَصْعَدُ عُلوًّا كالنَّار، ولا تهبطُ نازلةً كالأجسام الثَّقيلة، ولا عَمَدَ تحتها ولا عِلاقةَ فوقها، بل هي ممسوكةٌ٢ بقدرة الله الذي يُمْسِكُ السَّمواتِ والأرض أن تزولا.

ثمَّ تأمَّل استواءها واعتدالها، فلا صَدْعَ فيها، ولا فَطْرَ ولا شَقَّ، ولا أمْتَ ولا عِوَج.

ثمَّ تأمَّل ما وُضِعَت عليه من هذا اللَّون الذي هو أحسنُ الألوان وأشدُّها موافقةً للبصر وتقويةً له؛ حتى إنَّ من أصابه شيءٌ أضرَّ ببصره يؤمرُ بإدمان النَّظر إلى الخُضرة وما قَرُبَ منها إلى السَّواد، وقال الأطبَّاء: إنَّ من كَلَّ بصرُه فإنَّه من دوائه أن يُديمَ الاطِّلاع إلى إجَّانةٍ٣ خضراءَ مملوءةٍ ماءً٤.

فتأمَّل كيف جعَل أديمَ السَّماء بهذا اللون ليُمْسِكَ الأبصارَ المتقلِّبة فيه٥ ولا يَنكَأ فيها٦ بطول مباشرتها له.

  1. (١) «الدلائل والاعتبار» (٣)، «توحيد المفضل» (٧٨).
  2. (٢) كذا في الأصول، وتقع في كلام المتأخرين، وهي محدثة، والجادة: مُمْسَكة.
  3. (٣) الإجَّانة: إناء.
  4. (٤) انظر: «الحيوان» (٣/ ٣٢٣)، و«القانون» (٢/ ٢١٦)، و«المعتمد» (١/ ٢١٦، ٢٥٤). ومن مشهور الأخبار: أن النظر إلى الخضرة يزيد في البصر، ورفعه بعضهم إلى النبي ﷺ، ورفعُه باطل.
  5. (٥) (ق): «المقبلة فيها». (ض): «المتقلبة عليه».
  6. (٦) أي: يؤذيها. نكَأ القرحة: قَشَرها قبل أن تبرأ. وفي (ت): «يتكافها». والمثبت من باقي الأصول و(ض) و«شفاء العليل» (٦٤٣). (ر): «ينكى».
589

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي