ثمَّ تأمَّل حالَ الشمس والقمر في طلوعهما وغروبهما لإقامة دولتَيْ الليل والنَّهار، ولولا طلوعُهما لبطَل أمرُ العالم، وكيف كان النَّاسُ يسعَون في معايشهم٢، ويتصرَّفون في أمورهم، والدُّنيا مظلمةٌ عليهم؟! وكيف كانوا يتهنَّون٣ بالعَيش مع فقد النُّور؟!
ثمَّ تأمَّل الحكمة في غروبها؛ فإنه لولا غروبها لم يكن للنَّاس هدوءٌ ولا قرار، مع فرطِ الحاجة إلى السُّبات، وجموم الحواسِّ٤، وانبعاث القُوى الباطنة وظهور سلطانها في النَّوم المُعِين٥ على هضم الطَّعام٦ وتنفيذ الغذاء إلى الأعضاء.
ثمَّ لولا الغروبُ لكانت الأرض تَحْمى بدوام شروق الشمس واتصال طلوعها، حتى يحترق كلُّ ما عليها من حيوانٍ ونبات.
فصارت تطلعُ وقتًا، بمنزلة السِّراج يُرْفَعُ لأهل البيت ليقضوا حوائجَهم،
(١) «الدلائل والاعتبار» (٤)، «توحيد المفضل» (٧٩).
(٢) (د، ق، ن): «معاشهم». (ت): «أمر معاشهم».
(٣) (د): «يتهنؤون». (ح): «يهتنون».
(٤) كذا في الأصول و(ر، ض). والجَمام: الراحة. واستعمال «الجموم» لهذا المعنى وقع كذلك في «الصواعق» (١٥٧٠)، و«أيمان القرآن» (٢٥٦)، و«منهاج البلغاء» لحازم (٢٩٣، ٣٢١).
(٥) (د، ق، ن): «المعينة».
(٦) (ر، ض): «وانبعاث القوة الهاضمة لهضم الطعام».
ثمَّ تغيبُ١ عنهم مثلَ ذلك ليَقِرُّوا ويهدؤوا، وصار ضياءُ النَّهار مع ظلام الليل، وحرُّ هذا مع بَرد هذا، مع تضادِّهما، متعاونَين٢ متظاهِرَين، بهما تمامُ مصالح العالَم.
وخصَّ الليلَ بذكر السَّمع لأنَّ سلطانَ السَّمع يكونُ بالليل، وتُسْمَعُ٣ فيه الحيواناتُ ما لا تُسْمَعُ٤ في النَّهار؛ لأنه وقتُ هدوء الأصوات، وخمود الحركات، وقوَّة سلطان السمع، وضعف سلطان البصر.
والنَّهارُ بالعكس؛ فيه قوَّة سلطان البصر، وضعفُ سلطان السمع.