ثمَّ تأمَّل الحكمةَ في طلوع الشمس على العالم، كيف قدَّره العزيزُ العليمُ سبحانه؛ فإنها لو كانت تطلُع في موضعٍ من السَّماء فتَقِفُ فيه ولا تَعْدُوه لما وَصَل شعاعُها إلى كثيرٍ من الجهات؛ لأنَّ ظِلَّ أحد جوانب كُرة الأرض يحجُبها عن الجانب الآخر٢، فكان يكونُ الليلُ دائمًا سَرْمدًا على من لم تطلُع عليهم، والنَّهارُ دائمًا سَرْمدًا على من هي طالعةٌ عليهم، فيفسُد هؤلاء وهؤلاء.
فاقتضت الحكمةُ الإلهيَّةُ والعنايةُ الربَّانيَّةُ أن قدَّر طلوعَها من أوَّل النَّهار من المشرق، فتُشْرِقُ على ما قابَلها٣ من الأفق الغربيِّ، ثمَّ لا تزالُ تدورُ وتغشى جهةً بعد جهةٍ حتى تنتهي إلى المغرب، فتُشْرِق على ما استَتر عنها في أوَّل النَّهار، فيختلف عندهم الليلُ والنَّهار، فتنتظم مصالحهم.
(١) «الدلائل والاعتبار» (٥)، «توحيد المفضل» (٨١).
(٢) (ر، ض): «لأن الجبال والجدران كانت تحجبها عنها».
(٣) (ح): «على ما قاربها».
فصل١
ثمَّ تأمَّل الحكمةَ في مقادير الليل والنَّهار تَجِدْها على غاية المصلحة والحكمة، وأنَّ مقدار اليوم والليلة لو زاد على ما قُدِّرَ عليه أو نَقَصَ لفاتت المصلحةُ واختلَّت الحكمةُ بذلك، بل جُعِل مِكيالهما أربعةً وعشرين ساعة، وجُعِلا يتقارضان الزيادة والنُّقصان بينهما، فما يزيدُ في أحدهما من الآخر يعودُ الآخرُ٢ فيستردُّه منه.
قال الله تعالى: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ [فاطر: ١٣، الحديد: ٦]، وفيه قولان٣:
أحدهما: أنَّ المعنى: يُدْخِلُ ظُلمةَ هذا في مكان ضياء ذاك، وضياءَ هذا في مكان ظُلمة الآخر، فيُدْخِلُ كلَّ واحدٍ منهما في موضع صاحبه.
وعلى هذا، فهي عامَّةٌ في كلِّ ليلٍ ونهار.
والقول الثَّاني: أنه يزيدُ في أحدهما ما ينقُصُه من الآخر، فما نقَصَ منه يَلِجُ في الآخر لا يَذهبُ جملة.
وعلى هذا، فالآيةُ خاصَّةٌ ببعض ساعات كلٍّ من الليل والنَّهار في غير زمن الاعتدال؛ فهي خاصَّةٌ في الزَّمان وفي مقدار ما يَلِجُ في أحدهما من الآخر، وهو في الأقاليم المعتدلة غاية٤ ما تنتهي إليه الزيادة خمسَ عشرة