ولمَّا كان الحيوانُ قد يحتاجُ في الليل إلى حركةٍ وسيرٍ وعملٍ١ لا يتهيَّأ له بالنَّهار؛ لضيق النَّهار، أو لشدَّة الحرِّ، أو لخوفه بالنَّهار؛ كحال كثيرٍ من الحيوانات= جعَل في الليل من أضواء الكواكب وضوء القمر ما يتأتَّى فيه معه أعمالٌ كثيرة؛ كالسَّفر والحرث وغير ذلك من أعمال أهل الحُروث والزُّروع.
فجعَل ضوءَ القمر بالليل معونةً للحيوان على هذه الحركات، وجعَل طلوعَه في بعض الليل دون بعضٍ مع نقص ضوئه عن ضوء الشمس لئلَّا يستويَ الليلُ والنَّهار، فتفوتَ حكمةُ الاختلاف بينهما والتَّفاوت الذي قدَّره العزيزُ العليم.
فتأمَّل الحكمةَ البالغةَ والتَّقديرَ العجيبَ الذي اقتضى أن أعان الحيوانَ على دولة الظَّلام بجُندٍ من النُّور يستعينُ به على هذه الدَّولة المظلمة، ولم يجعل الدَّولةَ كلَّها ظُلمةً صِرفًا بل ظُلمةً مشُوبةً بنور؛ رحمةً منه وإحسانًا.
فسبحان من أتقن ما صنَع، وأحسن كلَّ شيءٍ خَلَقه.
فصل٢
ثمَّ تأمَّل حكمتَه ﵎ في هذه النُّجوم، وكثرتها، وعجيب خَلقِها، وأنها زينةٌ للسَّماء، وأدلَّةٌ يهتدى بها في طرق البرِّ والبحر، وما جعَل فيها من الضوء والنُّور بحيثُ يمكنُنا رؤيتُها مع البُعد المُفرِط، ولولا ذلك لم يحصُل٣ لنا بها الاهتداءُ والدَّلالةُ ومعرفةُ المواقيت.
ثمَّ تأمَّل تسخيرَها منقادةً بأمر ربها ﵎، جاريةً على سَنَنٍ واحدٍ اقتضتهُ حكمتُه وعلمُه، لا تخرُج عنه؛ فجعَل منها البروجَ والمنازل، والثَّوابتَ والسيَّارة، والكبارَ والصِّغارَ والمتوسِّط، والأبيض الأزهرَ والأبيض الأحمر، ومنها ما يخفى على النَّاظر فلا يدركه.
وجعَل منطقةَ البروج قسمين: مرتفعةً ومنخفضة، وقدَّر سيرَها تقديرًا واحدًا، ونزَّل الشمسَ والقمرَ والسيَّارات منها منازلها؛ فمنها ما يقطعُها في شهرٍ واحدٍ ــ وهو القمر ــ، ومنها ما يقطعُها في عام١، ومنها ما يقطعُها في عدَّة أعوام، كلُّ ذلك مُوجَبُ الحكمة والعناية.
وجعَل ذلك أسبابًا لِمَا يُحْدِثُه سبحانه في هذا العالم، فيستدلُّ بها النَّاسُ على تلك الحوادث التي تقارنها؛ لمعرفتهم بما يكونُ مع طلوع الثُّريَّا إذا طلعَت، وغروبها إذا سَقَطَت من الحوادث التي تقارنها، وكذلك غيرُها من المنازل والسيَّارات.
ثمَّ تأمَّل جَعْلَه سبحانه بناتِ نَعْشٍ وما قَرُبَ منها ظاهرةً لا تغيب؛ لقُربها من المركز، ولما في ذلك من الحكمة الإلهيَّة، وأنها بمنزلة الأعلام التي يهتدي بها النَّاسُ في الطُّرق المجهولة في البرِّ والبحر، فهم ينظرون إليها وإلى الجدي والفَرقدين٢ كلَّ وقتٍ أرادوا من الليل٣، فيهتدون بها حيث شاؤوا.