مفتاح دار السعادة

جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (٦) وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٧) وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨) وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (٩) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١١) وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٢) وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٣) وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٤) وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥) وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦) أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤ ــ ١٧].

وتأمَّل كيف وحَّد سبحانه الآيةَ من قوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ﴾ إلى آخرها، وختَمها بأصحاب الفكر: فأمَّا توحيدُ الآية؛ فلأنَّ موضعَ الدَّلالة واحد، وهو الماءُ الذي أنزله من السَّماء فأخرَج به كلَّ ما ذكره من الأرض، وهو على اختلاف أنواعه لقاحُه واحدٌ وأمُّه واحدة؛ فهذا نوعٌ واحدٌ من أنواع آياته١.

  1. (١) (ح، ن): «من آياته».
604

وأمَّا تخصيصُه ذلك بأهل الفِكْر؛ فلأنَّ هذه المخلوقات التي ذكرها من الماء، فلأنَّ الموضعَ موضعُ فكر، وهو نظرُ القلب وتأمُّلُه، لا موضعُ نظرٍ مجرَّدٍ بالعَين، فلا ينتفعُ النَّاظرُ بمجرَّد رؤية العَين حتى ينتقل منه إلى نظر القلب في حكمة ذلك، وبديع صُنعِه، والاستدلال به على خالقه وباريه؛ وذلك هو الفِكرُ بعينه.

وأمَّا قولُه تعالى في الآية التي بعدها: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾، فجمَع الآيات؛ لأنها تضمَّنت الليلَ والنَّهار والشمسَ والقمرَ والنُّجوم، وهي آياتٌ متعدِّدةٌ مختلفةٌ في أنفسها وخَلْقِها١ وكيفيَّاتها:

فإنَّ إظلام الجوِّ بالغروب٢، ومجيء الليل الذي يَلْبَسُ العالَمَ كالثَّوب فيسكنون تحته= آيةٌ باهرة.

ثمَّ وُرودُ جيش الضياء يقدُمه بشيرُ الصَّباح، فينهزمُ عسكرُ الظَّلام، وينتشرُ الحيوان، وينكشِطُ ذلك اللباسُ بجملته= آيةٌ أخرى.

ثمَّ في الشمس التي هي آيةُ النَّهار آيةٌ أخرى، وفي القمر الذي هو آيةُ الليل آيةٌ أخرى، وفي النُّجوم آياتٌ أُخَر ــ كما قدَّمناه ــ، هذا مع ما يَتْبَعُها من الآيات المقارنة لها من الرِّياح واختلافها وسائر ما يحدِثُه الله بسببها= آياتٌ أُخَر.

فالموضعُ موضعُ جَمْع.

  1. (١) (ح، ن): «وخلقتها».
  2. (٢) (ح، ن): «لغروب الشمس».
605

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي