مفتاح دار السعادة

التذكُّرَ إذ هو المطلوبُ من الفكر والعقل.

فتأمَّل ذلك حقَّ التأمُّل.

فإن قلتَ: فما الفرق بين التذكُّر والتفكُّر؟ فإذا تبيَّن الفرقُ ظهرت الفائدة.

قلتُ: التَّفكُّر والتَّذكُّر أصلُ الهدى والصلاح، وهما قُطبا السَّعادة؛ ولهذا وسَّعنا الكلامَ في الفِكر في هذا الوجه؛ لعِظم المنفعة وشدَّة الحاجة إليه.

قال الحسن: «ما زال أهلُ العلم يعودونَ بالتذكُّر على التفكُّر، وبالتفكُّر على التذكُّر، ويُناطِقون القلوبَ حتى نطقَت؛ فإذا لها أسماعٌ وأبصار»١.

فاعلَم أنَّ التفكُّر طلبُ القلب ما ليس بحاصلٍ من العلوم٢ من أمرٍ هو حاصلٌ منها، هذا حقيقتُه؛ فإنَّه لو لم يكن ثَمَّ موادُّ تكونُ٣ موردًا للفكر استحال الفكرُ؛ لأنَّ الفكرَ بغير متعلَّقٍ متفكَّرٍ فيه محال، وتلك الموادُّ هي الأمورُ الحاصلة، ولو كان المطلوبُ بها حاصلًا عنده لم يتفكَّر فيه.

فإذا عُرِفَ هذا فالمتفكِّر ينتقلُ من المقدِّمات٤ والمباداء التي عنده إلى المطلوب الذي يريدُه، فإذا ظَفِرَ به وتحصَّل له تذكَّر به وأبصَر مواقعَ الفعل والتَّرك وما ينبغي إيثارُه وما ينبغي اجتنابُه؛ فالتذكُّر هو مقصودُ التفكُّر وثمرتُه، فإذا تذكَّر عاد بتذكُّره على تفكُّره فاستخرَج به ما لم يكن حاصلًا

  1. (١) تقدم تخريجه (ص: ٥١٨).
  2. (٢) (ن، ح): «بحاصل يحصل من العلوم».
  3. (٣) في الأصول: «مراد يكون». وهو تحريف، وسيأتي على الصواب.
  4. (٤) (ح): «المقامات». وهو تحريف.
607

عنده، فهو لا يزالُ يكررُ١ بتفكُّره على تذكُّره، وبتذكُّره على تفكُّره ما دام عاقلًا؛ لأنَّ العلمَ والإرادة لا يقفان به على حدٍّ، بل هو دائمًا سائرٌ بين العلم والإرادة.

وإذا عرفتَ معنى كون آيات الرَّبِّ ﵎ تبصرةً وذكرى؛ يُتبصَّرُ بها مِن عمى القلب، ويُتذكَّرُ بها مِنْ غفلتِه= فإنَّ المضادَّ للعلم إمَّا عمى القلب؛ وزوالُه بالتبصُّر، وإمَّا غفلتُه؛ وزواله بالتذكُّر.

والمقصودُ تنبيهُ القلب من رقدته بالإشارة إلى شيءٍ من بعض آيات الله، ولو ذَهبنا نتتبَّعُ ذلك لنَفِدَ الزَّمانُ ولم نُحِط بتفصيل٢ واحدةٍ من آياته على التَّمام، ولكن ما لا يُدْرَكُ جملةً لا يُتْرَكُ جملة.

وأحسنُ ما أُنفِقَت فيه الأنفاسُ التفكُّرُ في آيات الله وعجائب صُنْعِه، والانتقالُ منها إلى تعلُّق القلب والهمَّة به دون شيءٍ من مخلوقاته؛ فلذلك عَقَدنا هذا الكتابَ على هذين الأصلين؛ إذ هما أفضلُ ما يكتسبُه العبدُ في هذه الدَّار.

فصل٣

فسَل المعطِّل الجاحد٤: ما تقولُ في دُولابٍ٥ دائرٍ على نهرٍ قد

  1. (١) كذا في الأصول. ولعلها: يكرُّ.
  2. (٢) (ت): «بتحصيل».
  3. (٣) «الدلائل والاعتبار» (٩)، «توحيد المفضل» (٨٧).
  4. (٤) (ت): «المعطل الجاهل الجاحد».
  5. (٥) آلةٌ تديرها الدابة، يستقى بها الماء. فارسيَّة معرَّبة. انظر: «الصحاح» (دلب)، و«قصد السبيل» (٢/ ٣٨) وحاشيته.
608

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي