مفتاح دار السعادة

ولقد أحسن القائل١:

وَهَبْني قلتُ: هذا الصُّبحُ ليلٌأيَعْمَى العالَمُونَ عن الضياءِ؟!

فصل٢

ثمَّ تأمَّل المُمْسِكَ للسَّموات والأرض، الحافظ لهما أن تزولا أو تقعا أو يتعطَّل بعض ما فيهما، أفترى من المُمْسِكُ لذلك؟! ومن الحافظُ له؟ ومن القيِّمُ بأمره؟! ومن المُقِيمُ له؟!

فلو تعطَّلت بعض آلات هذا الدُّولاب العظيم والحديقة العظيمة من كان يُصْلِحُه ويُعِيدُه٣؟! وماذا كان عند الخلق كلِّهم من الحيلة في ردِّه كما كان؟!

فلو أمْسَكَ عنهم قَيِّمُ السَّموات والأرض الشمسَ فجعَل عليهم الليلَ سَرمدًا، من ذا الذي كان يُطْلِعُها عليهم ويأتيهم بالنَّهار؟! ولو حَبَسَها في الأفق ولم يسيِّرها، فمن ذا الذي كان يسيِّرها عنهم ويأتيهم بالليل؟! فلو أزال السَّماءَ والأرض٤، فمن ذا الذي كان يُمْسِكُهما مِن بعده؟!

فصل٥

ثمَّ تأمَّل هذه الحكمةَ البالغة في الحرِّ والبرد وقيام الحيوان والنَّبات

  1. (١) وهو أبو الطيب المتنبي، في ديوانه (٧١).
  2. (٢) «الدلائل والاعتبار» (١٠)، «توحيد المفضل» (٨٦).
  3. (٣) «ويعيده» ليست في (ح، ن).
  4. (٤) (ح، ن): «ولو أن السماء والأرض زالتا».
  5. (٥) «الدلائل والاعتبار» (١٠)، «توحيد المفضل» (٨٧ - ٨٨).
610

عليهما، وفكِّر في دخول أحدهما على الآخر بالتَّدريج والمُهْلَة حتى يبلُغ نهايتَه، ولو دَخَل عليه مفاجأةً لأضرَّ ذلك بالأبدان وأهلكها١ وبالنَّبات، كما لو خرَج الرَّجلُ من حمَّامٍ مُفْرط الحرارة إلى مكانٍ مُفْرطٍ في البُرودة. ولولا العنايةُ والحكمةُ والرَّحمةُ والإحسانُ لما كان ذلك.

فإن قلتَ: هذا التَّدريجُ والمُهْلةُ إنما كان لإبطاء سَيْر الشمس في ارتفاعها وانخفاضها.

قيل لك: فما السَّببُ في ذلك الإبطاء في الانخفاض٢ والارتفاع؟

فإن قلتَ: السَّببُ في ذلك بُعْدُ المسافة من مشارقها ومغاربها.

قيل لك: فما السَّببُ في بُعْدِ المسافة؟٣.

ولا تزالُ المسألةُ متوجِّهةً عليكَ كلَّما عيَّنتَ سببًا٤، حتى تُفضِي بك إلى أحد أمرين:

إمَّا مكابرةٌ ظاهرة، ودعوى أنَّ ذلك اتفاقٌ من غير مدبِّرٍ ولا صانع.

وإمَّا الاعترافُ بربِّ العالمين، والإقرارُ بقيُّوم السَّموات والأرضين، والدُّخولُ في زُمرة أولي العقل من العالمين.

  1. (١) (ق، ت، د): «وأهلها». (ض): «وأسقمها».
  2. (٢) (ن): «الإبطاء والانخفاض والارتفاع».
  3. (٣) في طرَّة (د، ق) هنا التعليقُ التالي: «ولا يمكنه أيضًا أن يقول: بُعْدُ المسافة؛ لأن القمر يقطعها في شهر، والشمس تقطعها في سنة؛ لهذه الحكمة البينة الإلهية». وليس من كلام المصنف؛ وأدخله ناشر (ط) في المتن. ولم يرد في (ر، ض).
  4. (٤) (ق، ت): «شيئًا». (ض): «فلا تزال هذه المسألة ترقى معه الى حيث رقي من هذا القول».
611

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي