فلا تُتْعِبْ ذِهنَك بهذيانات الملحدين؛ فإنها عند من عرَفها من هَوَس الشياطين، وخيالات المبطلين. وإذا طَلَعَ فجرُ الهدى، وأشرقَت شمسُ النبوَّة١؛ فعساكرُ تلك الخيالات والوساوس في أوَّل المنهزمين، ﴿وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾.
فصل٢
ثمَّ تأمَّل الحكمةَ في خَلق النَّار على ما هي عليه من الكُمُون٣ والظُّهور؛ فإنها لو كانت ظاهرةً أبدًا ــ كالماء والهواء ــ كانت تُحْرِقُ العالم وتنتشرُ ويعظُم الضررُ بها والمفسدة، ولو كانت كامنةً لا تَظْهَرُ أبدًا لفاتت المصالحُ المترتبةُ على وجودها.
فاقتضت حكمةُ العزيز العليم٤ أنْ جعَلها مخزونةً في الأجسام، يخرجُها وينفُثها الرَّجلُ٥ عند حاجته إليها، فيُمسِكها ويحبسُها بمادَّةٍ يجعلُها فيها من الحطب ونحوه، فلا يزالُ حابِسَها ما احتاجَ إلى بقائها، فإذا استغنى عنها وتركَ حبسَها بالمادَّة خَبَتْ بإذن ربها وفاطرها، فسقطت المؤنةُ والمضرَّةُ ببقائها.
فسبحان ربِّنا العظيم، لقد تعرَّف إلينا بآياته، وشَفانا ببيِّناته، وأغنانا بها١ عن دلالات العالمين.
فأخبَر سبحانه أنه جعَلها تذكرةً تذكِّرنا بنار الآخرة، فنستجيرُه منها ونهرُب إليه منها، ومتاعًا للمُقْوِين؛ وهم المسافرون النَّازلون بالقَوَاء٢ والقَيِّ ــ وهي الأرض الخالية ــ، وهم أحوجُ إلى الانتفاع بالنَّار، للإضاءة والطَّبخ والخَبْز والتَّدفِّي٣ والأُنس وغير ذلك٤.
فصل٥
ثمَّ تأمَّل حكمتَه تعالى في كونه خَصَّ بها٦ الإنسانَ دونَ غيره من