مفتاح دار السعادة

فسبحان من سخَّرها وأنشأها على تقديرٍ مُحْكَمٍ عجيب، اجتمع فيه الاستمتاعُ والانتفاع والسَّلامةُ من الضرر.

قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ ٧١ أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ ٧٢ نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ ٧٣ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧١ - ٧٤].

فسبحان ربِّنا العظيم، لقد تعرَّف إلينا بآياته، وشَفانا ببيِّناته، وأغنانا بها١ عن دلالات العالمين.

فأخبَر سبحانه أنه جعَلها تذكرةً تذكِّرنا بنار الآخرة، فنستجيرُه منها ونهرُب إليه منها، ومتاعًا للمُقْوِين؛ وهم المسافرون النَّازلون بالقَوَاء٢ والقَيِّ ــ وهي الأرض الخالية ــ، وهم أحوجُ إلى الانتفاع بالنَّار، للإضاءة والطَّبخ والخَبْز والتَّدفِّي٣ والأُنس وغير ذلك٤.

فصل٥

ثمَّ تأمَّل حكمتَه تعالى في كونه خَصَّ بها٦ الإنسانَ دونَ غيره من

  1. (١) (ح): «وأغنانا بدلالتها بها».
  2. (٢) (ق، ت): «بالقوى». (ح): «بالفيافي». (ن): «بالقرا». تحريف.
  3. (٣) (ق، ت): «والدفى».
  4. (٤) انظر: «شفاء العليل» (٦٤٨) وفي مطبوعته تحريفٌ يصحَّح من هنا، و«طريق الهجرتين» (٢٩٩)، و«بدائع الفوائد» (١٥٥٦).
  5. (٥) «الدلائل والاعتبار» (١١)، «توحيد المفضل» (٩٤).
  6. (٦) أي: النار.
613

الحيوانات، فلا حاجةَ بالحيوان إليها، بخلاف الإنسان؛ فإنه لو فَقَدها لعَظُمَ الدَّاخلُ عليه في معاشه ومصالحه، وغيرُه من الحيوانات لا يستعملُها ولا يتمتَّعُ بها.

وننبِّهُ من مصالح النَّار على خَلَّةٍ١ صغيرة القَدْر عظيمة النفع، وهي في هذا٢ المصباح الذي يتَّخذُه الناسُ فيقضون به من حوائجهم ما شاؤوا من ليلهم، ولولا هذه الخَلَّة لكان الناسُ نصفَ أعمارهم٣ بمنزلة أصحاب القُبور؛ فمن كان يستطيعُ كتابةً أو خياطةً أو صناعةً أو تصرُّفًا في ظلمة الليل الدَّاجي؟! وكيف كانت تكونُ حالُ من عَرَض له وجَعٌ في وقتٍ من الليل فاحتاجَ إلى ضِمادٍ٤ أو دواءٍ أو استخراج دمٍ أو غير ذلك٥؟!

ثمَّ انظُر إلى ذلك النُّور المحمول في ذُبالة المصباح، على صِغَر جوهره، كيف يضيءُ ما حولك كلَّه فترى به القريبَ والبعيد.

ثمَّ انظُر إلى أنه لو اقتَبَس منه كل من يُفْرَض٦ أو يُقَدَّرُ من خلق الله كيف لا يفنى ولا ينفدُ ولا يضعُف.

وأما منافعُ النَّار في إنضاج الأطعمة والأدوية، وتجفيف ما لا يُنتَفعُ إلا

  1. (١) (ض): «خلقة»، تحريف. وعلى الصواب في «البحار» (٥٧/ ٨٩).
  2. (٢) (ت): «وهي هذه التي في». (ض): «وهي هذا».
  3. (٣) (ض) و«بحار الأنوار» (٣/ ١٢٣، ٥٧/ ٨٩): «تصرف أعمارهم». تحريف.
  4. (٤) وهو العصابةُ يُشَدُّ بها العضوُ المريض. ثم قيل لوضع الدواء على الجرح وغيره وإن لم يُشَدَّ. «اللسان» (ضمد). وتحرفت في (ح، ن) إلى: «ضياء».
  5. (٥) (ر، ض): «فاحتاج إلى أن يعالج ضمادا أو سفوفا أو شيئا يستشفي به».
  6. (٦) (ن، ح): «يعرض». (ت): «نفرض». والحرف الأول مهمل في (د).
614

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي