بجفافه، وتحليل ما لا يُنتَفعُ إلا بتحليله، وعَقْد ما لا يُنتَفعُ إلا بعَقْدِه وتركيبه= فأكثرُ من أن يحصى.
ثمَّ تأمَّل ما أُعطِيَتْه النَّارُ من الحركة الصَّاعدة بطبعها إلى العلوِّ، فلولا المادةُ تمسكُها لذهبَت صاعدةً، كما أنَّ الجسمَ الثقيلَ لولا الممسكُ يمسكُه لذهَبَ نازلًا.
فمن أعطى هذا١ القوَّة التي٢ يَطلُبُ بها الهبوطَ إلى مستقرِّه، وأعطى هذه القوَّة التي تَطلُبُ٣ بها الصُّعودَ إلى مستقرِّها؟! وهل ذلك إلا بتقدير العزيز العليم؟!
فصل٤
ثمَّ تأمَّل هذا الهواءَ وما فيه من المصالح؛ فإنه حياةُ هذه الأبدان والممسكُ لها من داخلٍ بما تَستَنشِقُ٥ منه، ومن خارجٍ بما تُباشَرُ٦ به من رَوْحِه، فتتغذَّى٧ به ظاهرًا وباطنًا.
وفيه تُطْرَدُ هذه الأصواتُ فيَحْمِلُها ويؤدِّيها للقريب والبعيد؛ كالبريد والرسول الذي شأنُه حملُ الأخبار والرسائل.
وهو الحاملُ لهذه الروائح على اختلافها، ينقلُها من موضعٍ إلى موضع، فتأتي العبدَ الرائحةُ من حيثُ تهبُّ الريح، وكذلك يأتيه الصوت١.
وهو ــ أيضًا ــ الحاملُ٢ للحرِّ والبرد اللذَيْن بهما صلاحُ الحيوان والنَّبات.
وتأمَّل منفعةَ الريح وما يجري له في البرِّ والبحر، وما هُيِّئت٣ له من الرحمة والعذاب.
وتأمَّل كم سُخِّر للسَّحاب من ريحٍ حتى أَمطَر٤؛ فسُخِّرت له المثيرةُ أوَّلًا٥، فتُثِيرُه بين السَّماء والأرض، ثمَّ سُخِّرت له الحاملةُ التي تحملُه على مَتْنها كالجمَل الذي يحملُ الرَّاوية، ثمَّ سُخِّرت له المؤلِّفة، فتؤلِّفُه٦ بين كِسَفِه وقِطَعِه حتى يجتمعَ بعضُها إلى بعضٍ فتصير٧ طبقًا واحدًا، ثمَّ سُخِّرت له اللاقحةُ بمنزلة الذَّكر الذي يَلْقَحُ الأنثى، فتَلْقَحه بالماء ولولاها لكان جَهَامًا لا ماء فيه٨، ثمَّ سُخِّرت له المُزْجِيَةُ التي تُزْجِيه وتَسُوقُه إلى
(١) (ح، ن): «تأتيه الأصوات».
(٢) (ر، ض): «القابل».
(٣) (ت): «هيأن».
(٤) (ت): «أمطرت».
(٥) المثيرة، والحاملة، والمؤلِّفة، واللاقحة، والمُزْجِية، والمفرِّقة= من أسماء الرياح بحسب وظائفها.