ثمَّ تأمَّل خَلْقَ الأرض على ما هي عليه، حين خُلِقَت واقفةً ساكنةً٢ لتكونَ مِهادًا ومستقرًّا للحيوان والنَّبات والأمتعة، ويتمكَّنَ الحيوانُ والنَّاسُ من السَّعي عليها في مآربهم، والجلوس لراحاتهم، والنوم لهدوئهم، والتمكُّن من أعمالهم، ولو كانت رَجْراجَةً متكفِّئةً٣ لم يستطيعوا على ظَهْرِها قرارًا ولا هدوءًا، ولا ثَبَتَ لهم عليها بناء، ولا أمكنهم عليها صناعةٌ ولا تجارةٌ ولا حِراثةٌ ولا مصلحة، وكيف كانوا يتهنَّون٤ بالعيش والأرضُ تَرتَجُّ٥ من تحتهم؟!
واعْتَبِر ذلك بما يصيبُهم من الزَّلازل، على قلَّة مكثها، كيف تصيِّرهم إلى ترك منازلهم والهرب عنها.
وقد نبَّه الله تعالى على ذلك بقوله: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾[النحل: ١٥]، وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا﴾[غافر: ٦٤]، وقوله: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مِهَادًا٦﴾ [طه: ٥٣، الزخرف: ١٠]،
(٦) أصلحها ناسخ (ح) ــ وتابعته المطبوعات ــ إلى: «مهدا». وإنما قدَّم المصنفُ قراءة «مهادا» لأنها قراءة أبي عمرو، وهي قراءته وقراءة أهل الشام لعصره.
وفي القراءة الأخرى: ﴿مَهْدًا﴾١.
وفي «جامع الترمذي»٢ وغيره من حديث أنس بن مالكٍ عن النبي ﷺ قال: «لمَّا خلقَ الله الأرض جَعَلت تَمِيد، فخَلَق الجبالَ عليها فاستقرَّت، فعَجِبَت الملائكةُ من شدَّة الجبال، فقالوا: يا ربِّ، هل من خَلْقِك شيءٌ أشدُّ من الجبال؟ قال: نعم، الحديد. قالوا: يا ربِّ، هل من خَلْقِك من شيءٍ أشدُّ من الحديد؟ قال نعم، النَّار. قالوا يا ربِّ، فهل من خَلْقِك شيءٌ أشدُّ من النَّار؟ قال: نعم، الماء. قالوا: يا ربِّ، هل من خَلْقِك شيءٌ أشدُّ من الماء؟ قال: نعم، الرِّيح. قالوا: يا ربِّ، فهل من خَلْقِك شيءٌ أشدُّ من الرِّيح؟ قال: نعم، ابن آدم يتصدَّقُ صدقةً بيمينه يخفيها عن شماله».
ثمَّ تأمَّل الحكمةَ البالغةَ في لُيونة الأرض مع يُبْسِها؛ فإنها لو أفرطَت في اللِّين ــ كالطِّين ــ لم يستقرَّ٣ عليها بناءٌ ولا حيوان٤، ولا تمكَّنَّا٥ من
(٢) (٣٣٦٩)، وأحمد (٣/ ١٢٤)، وأبو يعلى (٤٣١٠)، وغيرهم بإسنادٍ فيه سليمان بن أبي سليمان، لا يكاد يُعْرَف، وقد تفرَّد به عن أنسٍ مرفوعًا، وأورده الذهبي في ترجمته من «الميزان» (٢/ ٢١١). وقال الترمذي: «هذا حديثٌ غريبٌ لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه». وخرَّجه الضياء في «المختارة» (٢١٤٨، ٢١٤٩، ٢١٥٠)، وحسَّن إسناده ابن حجر في «الفتح» (٢/ ١٤٧). ورُوِي من وجهٍ آخر مقطوعًا من قول قيس بن عُباد، وهو أشبه، أخرجه أبو الشيخ في «العظمة» (٨٧٣)، وغيره.