وفي «جامع الترمذي»٢ وغيره من حديث أنس بن مالكٍ عن النبي ﷺ قال: «لمَّا خلقَ الله الأرض جَعَلت تَمِيد، فخَلَق الجبالَ عليها فاستقرَّت، فعَجِبَت الملائكةُ من شدَّة الجبال، فقالوا: يا ربِّ، هل من خَلْقِك شيءٌ أشدُّ من الجبال؟ قال: نعم، الحديد. قالوا: يا ربِّ، هل من خَلْقِك من شيءٍ أشدُّ من الحديد؟ قال نعم، النَّار. قالوا يا ربِّ، فهل من خَلْقِك شيءٌ أشدُّ من النَّار؟ قال: نعم، الماء. قالوا: يا ربِّ، هل من خَلْقِك شيءٌ أشدُّ من الماء؟ قال: نعم، الرِّيح. قالوا: يا ربِّ، فهل من خَلْقِك شيءٌ أشدُّ من الرِّيح؟ قال: نعم، ابن آدم يتصدَّقُ صدقةً بيمينه يخفيها عن شماله».
ثمَّ تأمَّل الحكمةَ البالغةَ في لُيونة الأرض مع يُبْسِها؛ فإنها لو أفرطَت في اللِّين ــ كالطِّين ــ لم يستقرَّ٣ عليها بناءٌ ولا حيوان٤، ولا تمكَّنَّا٥ من
(٢) (٣٣٦٩)، وأحمد (٣/ ١٢٤)، وأبو يعلى (٤٣١٠)، وغيرهم بإسنادٍ فيه سليمان بن أبي سليمان، لا يكاد يُعْرَف، وقد تفرَّد به عن أنسٍ مرفوعًا، وأورده الذهبي في ترجمته من «الميزان» (٢/ ٢١١). وقال الترمذي: «هذا حديثٌ غريبٌ لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه». وخرَّجه الضياء في «المختارة» (٢١٤٨، ٢١٤٩، ٢١٥٠)، وحسَّن إسناده ابن حجر في «الفتح» (٢/ ١٤٧). ورُوِي من وجهٍ آخر مقطوعًا من قول قيس بن عُباد، وهو أشبه، أخرجه أبو الشيخ في «العظمة» (٨٧٣)، وغيره.
(٣) (ق): «يشتد».
(٤) (ت): «حراث».
(٥) (ت): «تمكن».
الانتفاع بها، ولو أفرطَت في اليُبْس ــ كالحجر والحديد١ ــ لم يمكن حرثُها ولا زرعُها، ولا شَقُّها ولا فَلْحُها، ولا حفرُ عُيونها ولا البناءُ عليها؛ فنَقَصَت عن يُبْس الحجارة وزادت على لُيونة الطِّين، فجاءت بتقدير ربها وفاطرها٢ على أحسن ما جاء عليه مِهادُ الحيوان٣ من الاعتدال بين اللِّين واليُبوسة، فتهيَّأ عليها جميعُ المصالح.
فصل٤
ثمَّ تأمَّل الحكمةَ البالغةَ في أنْ جَعَل مَهَبَّ الشَّمال عليها٥ أرفعَ من مَهَبِّ الجنوب٦، وحكمةُ ذلك أن تنحدر٧ المياهُ على وجه الأرض فتسقيها وترويها ثمَّ تفيض فتصبَّ في البحر؛ فكما أنَّ الباني إذا رفعَ سطحًا رفعَ أحد جانبيه وخَفَض الآخرَ ليكون مصبًّا للماء، ولو جعله مستويًا لقام عليه الماءُ فأفسده، كذلك جُعِل٨ مَهَبُّ الشَّمال في كلِّ بلدٍ أرفعَ من مَهَبِّ الجنوب، ولولا ذلك لبقي الماءُ واقفًا٩ على وجه الأرض، فمنعَ النَّاسَ من العمل والانتفاع، وقطَعَ الطُّرقَ والمسالك، وأضرَّ بالخَلْق.