أفيَحْسُنُ عند من له مُسْكةٌ من عقلٍ أن يقول: هذا كلُّه اتفاقٌ من غير تدبير العزيز الحكيم الذي أتقَنَ كلَّ شيء؟!
فصل١
ثمَّ تأمَّل الحكمةَ العجيبةَ في الجبال التي قد يحسبُها الجاهلُ الغافلُ فَضْلةً في الأرض لا حاجة إليها. وفيها من المنافع ما لا يحصيه إلا خالقُها وناصِبُها.
وفي حديث إسلام ضِمام بن ثعلبة قولُه للنبيِّ ﷺ: بالذي نَصَبَ الجبالَ وأودعَ فيها المنافع، آللهُ أمَرك بكذا وكذا؟ قال: «اللهمَّ نَعَم»٢.
فمن منافعها: أنَّ الثَّلجَ يسقطُ عليها فيبقى في قُلَلِها حاملًا٣ لشراب النَّاس إلى حين نفاده، وجُعِل فيها ليذوبَ أوَّلًا فأوَّلًا، فتجري منه العيونُ٤ الغزيرة، وتسيل منه الأنهارُ والأودية، فيُنْبِتُ في المُروج والوِهاد٥ والرُّبى ضروبَ النَّبات والفواكه والأدوية التي لا يكونُ مثلُها في السَّهل والرِّمال.
فلولا الجبالُ لسقط الثَّلجُ على وجه الأرض فانحلَّ جملةً، وساحَ دَفْعةً٦؛ فعُدِمَ وقت الحاجة إليه، وكان في انحلاله٧ جملةً السُّيولُ التي
(٤) (ح، ن): «السيول». والمثبت من باقي الأصول و(ر، ض).
(٥) المواضع المنخفضة المطمئنة من الأرض. وفي (ق، ت): «المهاد».
(٦) (د، ق): «وسال دفعة».
(٧) (ن): «من انحلاله».
تُهلِكُ ما مرَّت عليه، فيُضِرُّ بالنَّاس ضررًا لا يمكنُ تلافيه ولا دفعُ أذيَّته.
ومن منافعها: ما يكون في حُصونها وقُلَلِها١ من المغارات والكهوف والمعاقل التي هي بمنزلة الحصون والقِلاع، وهي ــ أيضًا ــ أكنانٌ للنَّاس والحيوان.
ومن منافعها: ما يُنْحَتُ من أحجارها للأبنية على اختلاف أصنافها، والأرْحِيَة٢ وغيرها.
ومن منافعها: ما يوجدُ فيها٣ من المعادن على اختلاف أصنافها، من الذَّهب والفضة والنُّحاس والحديد والرَّصاص والزَّبَرْجَد والزُّمُرُّد وأضعاف ذلك من أنواع المعادن الذي يعجزُ البشرُ عن معرفتها على التفصيل، حتى إنَّ فيها ما يكونُ الشيءُ اليسيرُ منه تزيدُ قيمتُه ومنفعتُه على قيمة الذَّهب بأضعافٍ مضاعفة، وفيها من المنافع ما لا يعلمه إلا فاطرُها ومبدعُها ﷾.
ومن منافعها أيضًا: أنها تردُّ الرياحَ العاصفة، وتَكْسِرُ حِدَّتها، فلا تدعُها تَصْدِمُ ما تحتها؛ ولهذا السَّاكنون تحتها في أمانٍ من الرياح العِظام المؤذية.
ومن منافعها أيضًا: أنها تردُّ عنهم السُّيولَ إذا كانت في مجاريها، فتَصْرِفُها عنهم ذاتَ اليمين وذات الشمال، ولولاها لأَخْرَبَت٤ السُّيولُ في
(١) جمع «قُلَّة»، وهي أعلى الجبل. وقُلَّة كل شيء: أعلاه. «اللسان».
(٢) جمع: رحى.
(٣) (ق، د): «يؤخذ منها». والمثبت من باقي الأصول و(ر، ض).