مفتاح دار السعادة

مجاريها ما مرَّت به؛ فتكون لهم بمنزلة السَّدِّ والسِّكْر١.

ومن منافعها: أنها أعلامٌ يُسْتَدلُّ بها في الطُّرقات، فهي بمنزلة الأدلَّة المنصوبةِ المرشدَة إلى الطُّرق٢، ولهذا سمَّاها الله أعلامًا؛ فقال: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ﴾ [الشورى: ٣٢]، فالجواري: هي السُّفن، والأعلامُ: الجبال؛ واحدُها عَلَم.

قالت الخنساء٣:

وإنَّ صَخْرًا لتأتمُّ الهُداةُ بهكأنه عَلَمٌ في رأسِه نارُ

فسُمِّي الجبلُ عَلَمًا من العلامة والظُّهور.

ومن منافعها أيضًا: ما ينبتُ فيها من العقاقير والأدوية التي لا تكونُ في السُّهول والرمال، كما أنَّ ما ينبتُ في السُّهول والرمال لا ينبتُ مثلُه في الجبال، وفي كلٍّ من هذا وهذا منافعُ وحِكَمٌ لا يحيطُ بها إلا الخلَّاقُ العليم٤.

  1. (١) وهو ما يُسَدُّ به الشقُّ ومُنفَجَر الماء. «اللسان» (سكر). وتحرفت في (د، ق، ت، ن) إلى: «والسكن». وانظر استعمال المصنف له في «المدارج» (١/ ١٩١)، و«عدة الصابرين» (١١١).
  2. (٢) هل في هذا إشارةٌ إلى نصب الناس في عهد المصنف علاماتٍ وإشاراتٍ على الطرق تهدي المسافرين؟!. وانظر: «رحلة ابن بطوطة» (٤/ ٢٢).
  3. (٣) من كلمةٍ بليغةٍ في رثاء أخيها. ديوانها (٤٩)، و«التعازي والمراثي» (١٠٠)، وغيرهما.
  4. (٤) (ت): «الواحد الخلاق العليم».
624

ومن منافعها: أنها تكون حُصونًا من الأعداء، يتحرَّزُ فيها عبادُ الله من أعدائهم كما يتحصَّنون بالقِلاع، بل تكونُ أبلغَ وأحصنَ من كثيرٍ من القِلاع والمدن.

ومن منافعها: ما ذكره الله تعالى في كتابه أنه جَعَلها للأرض أوتادًا تثبِّتها، ورواسي بمنزلة مراسي السُّفن، وأعْظِم بها منفعةً١ وحكمة.

هذا، وإذا تأمَّلْتَ خِلْقَتها العجيبةَ البديعةَ على هذا الوضع وجدتها في غاية المطابقة للحكمة:

فإنها لو طالت واستَدَقَّت كالحائط، لتعذَّر الصُّعودُ عليها والانتفاعُ بها وسَتَرَت عن النَّاس الشمسَ والهواءَ فلم يتمكَّنوا من الانتفاع بها.

ولو بُسِطَت على وجه الأرض، لضيَّقت عليهم المزارعَ والمساكن، ولملأت السَّهْل، ولما حصل لهم بها الانتفاعُ من التَّحصُّن والمغارات والأكنان، ولما سَتَرَت عنهم الرياح، ولما حَجَبَت السُّيول.

ولو جُعِلَت مستديرةً على الكُرة٢ لم يتمكَّنوا من صُعودها، ولما حَصَل لهم بها الانتفاعُ التَّام.

فكان أولى الأشكال والأوضاع بها وأليقَها وأوقعَها على وَفْق المصلحة هذا الشكلُ الذي نُصِبَت عليه.

ولقد دعانا الله سبحانه في كتابه إلى النَّظر فيها وفي كيفيَّة خلقها؛ فقال: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبَالِ

  1. (١) (ح، ن): «من منفعة».
  2. (٢) (ح): «شكل الكرة». (ن): «مثل الكرة».
625

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي