مفتاح دار السعادة

كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية: ١٧ - ٢٠].

فخَلْقُها ومنافعُها من أكبر الشواهد على قدرة باريها١ وفاطرها، وعلمه وحكمته ووحدانيَّته.

هذا مع أنها تسبِّحُ بحمده، وتخشعُ له، وتسجدُ له، وتتشقَّقُ وتهبطُ من خشيته، وهي التي خافت من ربها وفاطرها وخالقها ــ على شدَّتها وعِظَم خَلْقِها ــ من الأمانة إذ عَرَضَها عليها وأشفَقَت مِنْ حملِها.

ومنها: الجبلُ الذي تجلَّى له ربُّه فساخَ وتَدكْدَك.

ومنها: الجبلُ الذي كلَّم اللهُ عليه موسى كليمَه ونَجِيَّه.

ومنها: الجبلُ الذي حَبَّبَ اللهُ رسولَه وأصحابَه إليه، وأحبَّه رسولُ الله ﷺ وأصحابُه٢.

ومنها: الجبلان اللذان جعلهما الله سُورًا٣ على بيته، وجَعَل الصَّفا في ذيل أحدهما والمروةَ في ذيل الآخر، وشرع لعباده السَّعيَ بينهما، وجَعَله من مناسكهم ومُتَعبَّداتهم.

ومنها: جبلُ الرحمة المنصوبُ عليه ميدانُ عرفات٤، فلِلَّه كم به٥

  1. (١) (ت): «بانيها».
  2. (٢) وهو جبلُ أحد، كما في الصحيحين.
  3. (٣) (ح، ن): «ستورا». وفوقها في (د) بخطٍّ دقيق: «كذا».
  4. (٤) وهو جبل إلال (على وزن: هلال). وتسميته بـ «جبل الرحمة» محدثة، ووقعت في كلام كثير من العلماء. انظر: «شرح مسلم» للنووي (٨/ ١٨٥)، و«مجموع الفتاوى» (٢٦/ ١٣٣، ١٦١)، و«تفسير ابن كثير» (٢/ ٥١٥)، وغيرها. وللشيخ بكر أبو زيد فيه جزءٌ مطبوع.
  5. (٥) «به» ليست في (ن، ح).
626

من ذنبٍ مغفور، وعَثْرةٍ مُقالة، وزلَّةٍ معفُوٍّ عنها، وحاجةٍ مقضيَّة، وكربةٍ مفروجة، وبليَّةٍ مدفوعة، ونعمةٍ متجدِّدة، وسعادةٍ مُكتَسبة، وشقاوةٍ ممحُوَّة!

كيف، وهو الجبلُ المخصوصُ بذلك الجمع الأعظم والوفد الأكرم الذين جاؤوا من كلِّ فجٍّ عميق، وقوفًا لربِّهم، مستكينين لعظمته، خاضعين١ لعزَّته، شُعثًا غُبرًا، حاسرين عن رؤوسهم، يستقيلونه عثراتهم، ويسألونه حاجاتهم، فيدنو منهم، ثمَّ يُباهي بهم الملائكة؟! فلِلَّه ذاك الجبلُ وما ينزلُ عليه من الرحمة والتَّجاوُز عن الذُّنوب العِظام!

ومنها: جبلُ حراءَ الذي كان رسولُ الله ﷺ يخلو فيه بربِّه٢، حتى أكرمه الله برسالته٣ وهو في غاره، فهو الجبلُ الذي فاض منه النُّورُ على أقطار العالم، فإنه ليفخَرُ على الجبال، وحُقَّ له ذلك.

فسبحان من اختَصَّ برحمته وتكريمه من شاء من الجبال والرِّجال، فجَعَل منها جبالًا هي مِغْناطيسُ القلوب كأنها مركَّبةٌ منها، فهي تَهْوِي إليها كلَّما ذكرتْها وتهفُو نحوَها، كما اختَصَّ من الرِّجال من اختصَّه بكرامته، وأتمَّ عليه نعمتَه، ووضع عليه محبَّةً منه؛ فأحبَّه وحبَّبه إلى ملائكته وعباده المؤمنين ووَضَع له القبولَ بينهم.

وإذا تأمَّلتَ البِقاعَ وجدتَهاتشقى كما تشقى الرِّجالُ وتَسْعَدُ٤
  1. (١) (ت): «برسالاته».
  2. (٢) كما أخرجه البخاري (٣)، ومسلم (١٦٠) من حديث عائشة.
  3. (٣) (ق): «خاضعين لعزته».
  4. (٤) البيت لأبي تمام في ديوانه بشرح التبريزي (٣/ ١٩٥)، و«وفيات الأعيان» (١/ ٤٤٣). وفي «الوفيات»: «تشقى الرجال وتنعم». ورواية الديوان:
    * تثري كما تثري الرجال وتنعم *
    وبالرواية التي أورد المصنف في ديوان ابن نباتة وكثيرٍ من المصادر دون نسبة.
627

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي