كيف، وهو الجبلُ المخصوصُ بذلك الجمع الأعظم والوفد الأكرم الذين جاؤوا من كلِّ فجٍّ عميق، وقوفًا لربِّهم، مستكينين لعظمته، خاضعين١ لعزَّته، شُعثًا غُبرًا، حاسرين عن رؤوسهم، يستقيلونه عثراتهم، ويسألونه حاجاتهم، فيدنو منهم، ثمَّ يُباهي بهم الملائكة؟! فلِلَّه ذاك الجبلُ وما ينزلُ عليه من الرحمة والتَّجاوُز عن الذُّنوب العِظام!
ومنها: جبلُ حراءَ الذي كان رسولُ الله ﷺ يخلو فيه بربِّه٢، حتى أكرمه الله برسالته٣ وهو في غاره، فهو الجبلُ الذي فاض منه النُّورُ على أقطار العالم، فإنه ليفخَرُ على الجبال، وحُقَّ له ذلك.
فسبحان من اختَصَّ برحمته وتكريمه من شاء من الجبال والرِّجال، فجَعَل منها جبالًا هي مِغْناطيسُ القلوب كأنها مركَّبةٌ منها، فهي تَهْوِي إليها كلَّما ذكرتْها وتهفُو نحوَها، كما اختَصَّ من الرِّجال من اختصَّه بكرامته، وأتمَّ عليه نعمتَه، ووضع عليه محبَّةً منه؛ فأحبَّه وحبَّبه إلى ملائكته وعباده المؤمنين ووَضَع له القبولَ بينهم.
وإذا تأمَّلتَ البِقاعَ وجدتَهاتشقى كما تشقى الرِّجالُ وتَسْعَدُ٤
(١) (ت): «برسالاته».
(٢) كما أخرجه البخاري (٣)، ومسلم (١٦٠) من حديث عائشة.
(٣) (ق): «خاضعين لعزته».
(٤) البيت لأبي تمام في ديوانه بشرح التبريزي (٣/ ١٩٥)، و«وفيات الأعيان» (١/ ٤٤٣). وفي «الوفيات»: «تشقى الرجال وتنعم». ورواية الديوان: * تثري كما تثري الرجال وتنعم * وبالرواية التي أورد المصنف في ديوان ابن نباتة وكثيرٍ من المصادر دون نسبة.
فدَع عنكَ الجبلَ الفلاني، وجبلَ بني فُلان، وجبلَ كذا١.
خُذ ما تراهُ ودَع شيئًا سَمِعتَ بهفي طَلْعة الشَّمس ما يُغْنِيكَ عن زُحَلِ٢
هذا؛ وإنها لتَعْلمُ أنَّ لها موعدًا ويومًا تُنْسَفُ فيها نسفًا وتصيرُ كالعِهْن٣ من هَوْلِه وعِظَمِه، فهي مشفقةٌ من هَوْل ذلك الموعد منتظرةٌ له.
وكانت أمُّ الدَّرداء ﵂ إذا سافرَت فصعدَت على جبلٍ تقولُ لمن معها: أَسْمِع الجبالَ ما وَعَدَها ربُّها فيقول: ما أُسْمِعُها؟ فتقول: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا ١٠٥ فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا ١٠٦ لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾[طه: ١٠٥ - ١٠٧]٤.
فهذا حالُ الجبال وهي الحجارةُ الصُّلبة، وهذه رِقَّتُها وخشيتُها وتَدَكْدُكُها من جلال ربها وعظمته، وقد أخبر عنها فاطرُها وباريها أنه لو أنزل عليها كلامَه لخشَعَت ولتصدَّعَت من خشيته.
فيا عجبًا مِنْ مضغة لحمٍ أقسى من هذه الجبال! تسمعُ٥ آيات الله تتلى عليها، ويُذْكَرُ الرَّبُّ ﵎، فلا تَلِينُ ولا تخشع ولا تُنِيب٦ فليس
(١) أي: من الجبال التي لم تثبت لها فضيلةٌ خاصة، ويتوهَّم الجهلةُ فيها ذلك.