الولادة ودنا المَخاض١، أوحى إليها ربُّها وفاطرُها أن تضع حملَها وتُخرِجَ أثقالها، فتُخرِج النَّاسَ من بطنها إلى ظهرها، وتقول: ربِّ هذا ما اسْتَوْدَعْتَني، وتُخرِجُ كنوزَها بإذنه تعالى، ثمَّ تحدِّثُ أخبارَها، وتشهدُ على بَنِيها بما عملوا على ظهرها من خيرٍ أو شرٍّ.
فصل
ولما كانت الرياح تَجُولُ فيها٢، وتدخلُ في تجاويفها، وتُحْدِثُ فيها الأبخِرَة، فتختنقُ٣ الرياح، ويتعذَّرُ عليها المنفَذ= أَذِنَ الله سبحانه لها في الأحيان بالتنفُّس، فتُحْدِثُ فيها الزَّلازلَ العِظام٤، فيحدثُ من ذلك لعباده الخوفُ والخشيةُ والإنابةُ والإقلاعُ عن معاصيه والتضرُّعُ إليه والنَّدم٥.
كما قال بعض السَّلف وقد زُلزِلت الأرض: «إنَّ ربَّكم يَسْتَعْتِبكم»٦.
وقال عمر بن الخطَّاب، وقد زُلزِلت المدينة، فخطَبهم ووعظهم، وقال: «لئن عادت لا أساكِنكم فيها»٧.
(١) (ن، ح): «ودنو المخاض».
(٢) أي: في الأرض.
(٣) (د، ق، ت): «وتنخنق». (ح): «وتتخفق».
(٤) انظر: «مجموع الفتاوى» (٢٤/ ٢٦٤).
(٥) (ق، ت): «والتوبة».
(٦) تقدم تخريجه (ص: ٣٤٠).
(٧) أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٤٧٣)، وابن أبي الدنيا في «العقوبات» (٢٠)، والبيهقي (٣/ ٣٤٢) بإسنادٍ صحيح.
فصل١
ثمَّ تأمَّل حكمةَ الله ﷿ في عِزَّة هذين النقدين: الذَّهب والفضة، وقصور حيلة٢ العالَم عما حاولوا من صَنْعَتهما والتشبُّه بخَلْق الله إياهما، مع شدَّة حرصهم وبلوغ أقصى جهدهم واجتهادهم في ذلك، فلم يظفروا بسوى الصِّبغة٣.
ولو مُكِّنوا من أن يصنعوا مثلَ ما خَلَق الله من ذلك لفَسَد أمرُ العالَم، واستفاض الذَّهبُ والفضةُ في النَّاس حتى صارا كالشَّقَف٤ والفَخَّار، وكانت تتعطَّل المصلحةُ التي وُضِعَا لأجلها، وكانت كثرتُهما جدًّا سببَ تعطُّل الانتفاع بهما؛ فإنه لا يبقى لهما قيمة٥، ويبطُل كونُهما قِيَمًا لنفائس
(٣) (ق، د): «الضيعة». (ت): «الصيغة». والمثبت أدنى إلى الصواب. فإن غاية ما يمكنهم هو صبغ النحاس مثلًا بصبغ الفضة. انظر: «تفسير ابن كثير» (٦/ ٢٦٧٥)، و«البداية والنهاية» (٢/ ٢٠٤)، و«شرح المقاصد» للتفتازاني (١/ ٣٧٤). وكان أصحاب هذه الصناعة يقولون عن أنفسهم: «نحن صبَّاغون»! «مجموع الفتاوى» (٢٩/ ٣٦٩). وفي (ح، ن): «الصنعة»، وهي قراءة محتملة؛ فالكيمياء يشبَّه فيها المصنوع بالمخلوق. قال ابن تيمية: «ومن زعم أن الذهب المصنوع مثل المخلوق فقوله باطلٌ في العقل والدين». «الفتاوى» (٢٩/ ٣٦٨). وكانت كتب الكيمياء تسمى «كتب الصَّنعة». انظر: المقالة العاشرة من «الفهرست» للنديم، و«مجموع الفتاوى» (٢٩/ ٣٧٨).