ثمَّ تأمَّل حكمةَ الله ﷿ في عِزَّة هذين النقدين: الذَّهب والفضة، وقصور حيلة٢ العالَم عما حاولوا من صَنْعَتهما والتشبُّه بخَلْق الله إياهما، مع شدَّة حرصهم وبلوغ أقصى جهدهم واجتهادهم في ذلك، فلم يظفروا بسوى الصِّبغة٣.
ولو مُكِّنوا من أن يصنعوا مثلَ ما خَلَق الله من ذلك لفَسَد أمرُ العالَم، واستفاض الذَّهبُ والفضةُ في النَّاس حتى صارا كالشَّقَف٤ والفَخَّار، وكانت تتعطَّل المصلحةُ التي وُضِعَا لأجلها، وكانت كثرتُهما جدًّا سببَ تعطُّل الانتفاع بهما؛ فإنه لا يبقى لهما قيمة٥، ويبطُل كونُهما قِيَمًا لنفائس
(٣) (ق، د): «الضيعة». (ت): «الصيغة». والمثبت أدنى إلى الصواب. فإن غاية ما يمكنهم هو صبغ النحاس مثلًا بصبغ الفضة. انظر: «تفسير ابن كثير» (٦/ ٢٦٧٥)، و«البداية والنهاية» (٢/ ٢٠٤)، و«شرح المقاصد» للتفتازاني (١/ ٣٧٤). وكان أصحاب هذه الصناعة يقولون عن أنفسهم: «نحن صبَّاغون»! «مجموع الفتاوى» (٢٩/ ٣٦٩). وفي (ح، ن): «الصنعة»، وهي قراءة محتملة؛ فالكيمياء يشبَّه فيها المصنوع بالمخلوق. قال ابن تيمية: «ومن زعم أن الذهب المصنوع مثل المخلوق فقوله باطلٌ في العقل والدين». «الفتاوى» (٢٩/ ٣٦٨). وكانت كتب الكيمياء تسمى «كتب الصَّنعة». انظر: المقالة العاشرة من «الفهرست» للنديم، و«مجموع الفتاوى» (٢٩/ ٣٧٨).
(٤) وهو الخزف المكسَّر. «اللسان» (شقف).
(٥) (ح، ن): «قيمة نفيسة».
الأموال والمعاملات وأرزاق المقاتِلَة١، ولم يتسخَّر بعضُ النَّاس لبعض؛ إذ يصيرُ الكلُّ أربابَ ذهبٍ وفضَّة، فلو أغنى خلقَه كلَّهم لأفقَرهم كلَّهم٢، فمن يرضى لنفسه بامتهانها في الصَّنائع التي لا قِوامَ للعالَم إلا بها؟!
فسبحان من جَعَل عِزَّتهما سببَ نظام العالَم، ولم يجعلهما في العزَّة كالكبريت الأحمر الذي لا يوصلُ إليه٣، فتفوتُ المصلحةُ بالكلِّيَّة، بل وضعهما وبثَّهما في العالَم بقَدْرٍ اقتضته حكمتُه ورحمتُه ومصالحُ عباده.
وقرأتُ بخطِّ الفاضل جبريل بن نوح٤ الأنباري، قال: أخبرني بعض من تداوَل المعادنَ٥ أنهم أوغَلوا في طلبها إلى بعض نواحي الجبل، فانتهوا إلى موضعٍ رأوا فيه٦ أمثال الجبال من الفضة، ومن دون ذلك وادٍ يجري مُنْصَلِتًا٧ بماءٍ غزيرٍ لا يُدْرَك٨، ولا حيلة في عُبوره، فانصرفوا إلى حيث يعملون ما يَعْبُرون به، فلمَّا هيَّؤوه وعادوا راموا طريقَ النَّهر فما وقعوا٩ له
(١) لعله يريد: الغنائم. وفي (ح): «المعاملة».
(٢) ليست في (ت، ح، ن).
(٣) انظر: «تاج العروس» (كبرت)، والتعليق على «الحيوان» (٥/ ٩٥).
(٤) (ق، د، ت): «روح». ولعله مؤلف الكتاب أو ناسخه، كما مر في المقدمة.
(٥) (ق، د): «يداول المعادن».
(٦) (ح، ن): «وإذا فيه».
(٧) شديد الجري. وفي الأصول: «متصلبا». (ر): «متصلًا». والمثبت من (ض).