مفتاح دار السعادة

في البرِّ لا يمكنُه الحياةُ إلا به، فهو معه أين كان وحيثُ كان؛ لأنه لا يستغني عنه لحظةً واحدة، ولولا كثرتُه وسَعتُه وامتدادُه في أقطار العالم لاختنقَ أهل العالَم١ من الدُّخان والبُخَار المتصاعد المُنعقِد.

فتأمَّل حكمةَ ربك في أنْ سخَّر له الرياح، فإذا تصاعدَ إلى الجوِّ أحالتهُ سحابًا أو ضبابًا، فأذهبَت عن العالم شرَّه وأذاه.

فسَلِ الجاحدَ: من الذي دبَّر هذا التَّدبيرَ وقدَّر هذا التقدير؟ وهل يقدرُ أهل العالَم٢ كلُّهم لو اجتمعوا أن يُحِيلوا ذلك ويقلبوه سحابًا أو ضبابًا، أو يُذْهِبوه عن النَّاس ويكشفوه عنهم؟

ولو شاء ربُّه تعالى لحبَسَ عنه الرياح فاختنقَ على وجه الأرض، فأهلَك ما عليها من الحيوان والنَّاس.

فصل٣

ومِنْ ذلك: سَعةُ هذه الأرض وامتدادُها، ولولا ذلك لضاقت عن مساكن الإنس والحيوان، وعن مزارعهم ومراعيهم، ومنابت ثمارهم وأعشابهم.

فإن قلت: فما حكمةُ هذه القِفَار الخالية، والفَلَوات الفارغة المُوحِشَة؟

فاعلم أنَّ فيها معايشَ٤ ما لا يحصيه إلا الله من الوحوش والدَّوابِّ، وعليها أرزاقُهم، وفيها مَطْرَدُهم ومنزلهم؛ كالمدن والمساكن للإنس، وفيها

  1. (١) (ت): «كل العالم». (ن، ح): «لاختنق العالم». (ر، ض): «هذا الأنام».
  2. (٢) (ت، ن): «يقدر العالم».
  3. (٣) «الدلائل والاعتبار» (١٦)، «توحيد المفضل» (٩٠، ٩٢).
  4. (٤) (د، ق): «معاش».
635

مجالهم ومرعاهم ومَصِيفُهم ومَشْتاهُم.

ثمَّ فيها ــ بعدُ ــ متَّسعٌ ومتنفَّسٌ للنَّاس ومُضطرَبٌ إذا احتاجوا إلى الانتقال والبَدْوِ١ والاستبدال بالأوطان؛ فكم من بيداءَ سَمْلَقٍ٢ صارت قصورًا٣ وجِنانًا ومساكن. ولولا سَعةُ الأرض وفَسْحُها٤ لكان أهلُها كالمحصورين والمحبوسين في أماكنهم، لا يجدون عنها انتقالًا إذا فَدَحَهم٥ ما يزعجُهم عنها ويضطرُّهم إلى النُّقلة منها.

وكذلك الماء، لولا كثرتُه وتدفُّقه في الأودية والأنهار لضاق عن حاجة النَّاس إليه، ولغَلَبَ القويُّ فيه الضعيفَ واستبدَّ به دونه، فيحصلُ الضررُ وتَعْظُمُ البليَّة، مع شدَّة حاجة جميع الحيوان إليه من الطَّير والوحوشِ والسِّباع، فاقتضت الحكمةُ أن كان بهذه الكثرة والسَّعة في كلِّ وقت.

وأما النَّار، فقد تقدَّم أنَّ الحكمةَ اقتضت كُمونَها٦؛ متى شاء العبدُ أَوْراها عند الحاجة، فهي وإن لم تكن مبثوثةً٧ في كلِّ مكانٍ فإنها عَتِيدةٌ٨ حاصلةٌ متى احتيجَ إليها، واسعةٌ لكلِّ ما يُحتاجُ إليه منها، غير أنها مُودَعةٌ في أجسامٍ جُعِلَت معادنَ لها؛ للحكمة التي تقدَّمت.

  1. (١) (ت): «والبدول».
  2. (٢) وهي: القَفْر الذي لا نبات فيه. أو القاع المستوى الأملس. «اللسان» (سملق).
  3. (٣) (ض): «فكم بيداء وكم فدفد حالت قصورا».
  4. (٤) (ر، ض): «وفسحتها».
  5. (٥) (ق، ت، ح، ن): «قدحهم».
  6. (٦) (ح): «كونها».
  7. (٧) (ن): «مشبوبة».
  8. (٨) أي: حاضرةٌ مُعَدَّة. «اللسان» (عتد).
636

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي