مفتاح دار السعادة

مجالهم ومرعاهم ومَصِيفُهم ومَشْتاهُم.

ثمَّ فيها ــ بعدُ ــ متَّسعٌ ومتنفَّسٌ للنَّاس ومُضطرَبٌ إذا احتاجوا إلى الانتقال والبَدْوِ١ والاستبدال بالأوطان؛ فكم من بيداءَ سَمْلَقٍ٢ صارت قصورًا٣ وجِنانًا ومساكن. ولولا سَعةُ الأرض وفَسْحُها٤ لكان أهلُها كالمحصورين والمحبوسين في أماكنهم، لا يجدون عنها انتقالًا إذا فَدَحَهم٥ ما يزعجُهم عنها ويضطرُّهم إلى النُّقلة منها.

وكذلك الماء، لولا كثرتُه وتدفُّقه في الأودية والأنهار لضاق عن حاجة النَّاس إليه، ولغَلَبَ القويُّ فيه الضعيفَ واستبدَّ به دونه، فيحصلُ الضررُ وتَعْظُمُ البليَّة، مع شدَّة حاجة جميع الحيوان إليه من الطَّير والوحوشِ والسِّباع، فاقتضت الحكمةُ أن كان بهذه الكثرة والسَّعة في كلِّ وقت.

وأما النَّار، فقد تقدَّم أنَّ الحكمةَ اقتضت كُمونَها٦؛ متى شاء العبدُ أَوْراها عند الحاجة، فهي وإن لم تكن مبثوثةً٧ في كلِّ مكانٍ فإنها عَتِيدةٌ٨ حاصلةٌ متى احتيجَ إليها، واسعةٌ لكلِّ ما يُحتاجُ إليه منها، غير أنها مُودَعةٌ في أجسامٍ جُعِلَت معادنَ لها؛ للحكمة التي تقدَّمت.

  1. (١) (ت): «والبدول».
  2. (٢) وهي: القَفْر الذي لا نبات فيه. أو القاع المستوى الأملس. «اللسان» (سملق).
  3. (٣) (ض): «فكم بيداء وكم فدفد حالت قصورا».
  4. (٤) (ر، ض): «وفسحتها».
  5. (٥) (ق، ت، ح، ن): «قدحهم».
  6. (٦) (ح): «كونها».
  7. (٧) (ن): «مشبوبة».
  8. (٨) أي: حاضرةٌ مُعَدَّة. «اللسان» (عتد).
636

فصل١

ثمَّ تأمَّل الحكمةَ البالغةَ في نزول المطر على الأرض من عُلوٍّ ليعُمَّ بسَقْيه وِهادَها وتِلالها، وظِرابها وآكامها، ومنخفَضها ومرتفعَها، ولو كان ربها تعالى إنما يسقيها٢ من ناحيةٍ من نواحيها لما أتى الماءُ على الناحية المرتفعة إلا إذا اجتمع في السُّفلى وكثُر، وفي ذلك ضررٌ وفساد.

فاقتضت حكمتُه أن سقاها من فوقها؛ فينشاءُ سبحانه السَّحابَ ــ وهي روايا الأرض ــ، ثمَّ يرسلُ الرياح فتحملُ الماءَ من البحر وتَلْقَحُها به كما يَلْقَحُ الفحلُ الأنثى. ولهذا تجدُ البلادَ القريبة من البحر كثيرةَ الأمطار، وإذا بَعُدَت من البحر قلَّ مطرُها٣.

وفي هذا المعنى قولُ الشاعر٤ يصفُ السَّحاب:

شَرِبْنَ بماءِ البحرِ ثمَّ تَرفَّعَتْمتى لُجَجٍ خُضْرٍ لهنَّ نَئيجُ٥
  1. (١) «الدلائل والاعتبار» (١٧)، «توحيد المفضل» (٩٥ - ٩٦).
  2. (٢) (ر، ض): «يأتيها».
  3. (٣) نقل ناسخ (ح) في الطرَّة بعض كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في تكوُّن المطر.
    وانظر: «منهاج السنة» (٥/ ٤٣٩ - ٤٤٤)، و«مجموع الفتاوى» (١٦/ ١٦، ٢٤/ ٢٦٢)، و«شروح سقط الزند» (١/ ٣٥٥)، و«إضاءة الراموس» (١/ ١٩٥).
  4. (٤) وهو أبو ذؤيب الهذلي. من كلمةٍ في «ديوان الهذليين» (١/ ٥٠). وتخريج البيت في «شرح أشعار الهذليين» (٣/ ١٣٨٧).
  5. (٥) «متى لجج» يعنى: مِنْ لجج. و«لهن نئيج» أي: مَرٌّ سريعٌ بصوت. انظر: «خزانة الأدب» (٧/ ٩٧).
637

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي