ثمَّ تأمَّل الحكمةَ البالغةَ في نزول المطر على الأرض من عُلوٍّ ليعُمَّ بسَقْيه وِهادَها وتِلالها، وظِرابها وآكامها، ومنخفَضها ومرتفعَها، ولو كان ربها تعالى إنما يسقيها٢ من ناحيةٍ من نواحيها لما أتى الماءُ على الناحية المرتفعة إلا إذا اجتمع في السُّفلى وكثُر، وفي ذلك ضررٌ وفساد.
فاقتضت حكمتُه أن سقاها من فوقها؛ فينشاءُ سبحانه السَّحابَ ــ وهي روايا الأرض ــ، ثمَّ يرسلُ الرياح فتحملُ الماءَ من البحر وتَلْقَحُها به كما يَلْقَحُ الفحلُ الأنثى. ولهذا تجدُ البلادَ القريبة من البحر كثيرةَ الأمطار، وإذا بَعُدَت من البحر قلَّ مطرُها٣.
مرفوعًا، وهو أحدُ الأحاديث الأربعة المقطوعة٢: «إذا نَشَأت سحابةٌ بحريَّةً ثمَّ تشاءمت فتلك عينٌ غُدَيْقَة»٣.
والله سبحانه ينشاء الماءَ في السَّحاب إنشاءً، تارةً يَقْلِبُ الهواءَ ماءً٤ وتارةً يحملُه الهواءُ من البحر فيَلْقَحُ به السَّحابَ ثمَّ ينزلُ منه على الأرض للحكمة التي ذكرناها، ولو أنه ساقه من البحر إلى الأرض جاريًا على ظهرها لم يحصُل عمومُ السَّقي إلا بتخريب كثيرٍ من الأرض، ولم يحصُل عمومُ السَّقي لأجزائها.
فصاعَدَه٥ سبحانه إلى الجوِّ بلُطفه وقدرته، ثمَّ أنزله على الأرض
(١) (٥١٧) بلاغًا. وأخرجه موصولًا الطبراني في «الأوسط» (٧٧٥٧)، وابن أبي الدنيا في «المطر» (٤٢)، وأبو الشيخ في «العظمة» (٧٢٢)، عن عائشة مرفوعًا بإسنادٍ ضعيفٍ جدًّا. وأخرجه الشافعي في «الأم» (٢/ ٥٦١) من وجهٍ آخر مرسلًا، وإسناده شديد الضعف. وانظر: «التمهيد» (٢٤/ ٣٧٧)، و«فتح الباري» لابن رجب (٩/ ٢٦٦).
(٢) ذكر ابن عبد البر في «تجريد التمهيد» (٢٤٢، ٢٤٩، ٢٥٣) أن في «الموطأ» من بلاغات مالك ومرسلاته واحدًا وستين حديثًا، وجَدَها كلَّها متصلةً، حاشا أربعة أحاديث لم يستطع وَصْلَها، وهذا الحديثُ أحدها. وقد صنف ابنُ الصلاح رسالةً في وصل هذه الأحاديث، مطبوعة بذيل «توجيه النظر» للجزائري، وكلامُه عن هذا الحديث فيها (٢/ ٩٢٨).
(٣) «نشأت»: ابتدأت وارتفعت. «بحرية»: من ناحية البحر. «تشاءمت»: أخذت نحو الشام. «فتلك عينٌ غُدَيقة»: سحابةٌ يكون ماؤها غزيرًا.