مفتاح دار السعادة

عَسِرة الزَّوال.

فاقتضت حكمةُ اللطيف الخبير أنْ عاقَبَ بين الصَّحو والمطر على هذا العالم؛ فاعتدل الأمرُ، وصَحَّ الهواءُ، ودَفَع كلُّ واحدٍ منهما عادِيَة الآخر١، واستقام أمرُ العالم وصلح.

فصل٢

ثمَّ تأمَّل الحكمةَ الإلهيَّة في إخراج الأقوات والثِّمار والحبوب والفواكه متلاحقةً شيئًا بعد شيء، متتابعةً، ولم يخلقها كلَّها جملةً واحدة؛ فإنها لو خُلِقَت كذلك على وجه الأرض، ولم تكن تَنبتُ على هذه السُّوق والأغصان، لدَخَل الخللُ وفاتت المصالحُ التي رُتِّبت على تلاحُقها وتتابُعها؛ فإنَّ كلَّ فصلٍ وأوانٍ يقتضي من الفواكه والثِّمار٣ غيرَ ما يقتضيه الفصلُ الآخر، فهذا حارٌّ وهذا باردٌ وهذا معتدل، وكلٌّ في فصله موافقٌ للمصلحة لا يليقُ به غيرُ ما خُلِقَ فيه.

ثمَّ إنه سبحانه خلق تلك الأقواتَ مقارِنةً لمنافعَ أخرَ من العَصْف والخشب، والوَرَق والنَّوْر٤، والسَّعَف والكَرَب٥، وغيرها من منافع النَّبات والشَّجر غير الأقوات، كعَلَف٦ البهائم، وآلات الأبنية والسُّفُن والرِّحال والأواني وغيرها، ومنافعِ النَّوْر من الأدوية والمنظر البهيج الذي

  1. (١) (ن، ح): «عادة الآخر».
  2. (٢) «الدلائل والاعتبار» (١٩)، «توحيد المفضل» (٩٩، ١٠١).
  3. (٣) (ق، ت): «والنبات».
  4. (٤) نَوْرُ الشجر: زَهْرُه. «اللسان» (نور).
  5. (٥) الكَرَب: أصولُ سَعَف النخل الغِلاظُ العِراض التي تيبس. «اللسان» (كرب).
  6. (٦) (ح): «وكعلف».
640

يسرُّ النَّاظرين، وحُسْن مرأى الشجر وخِلْقَتها البديعة الشاهدة لفاطرها ومبدعها بغاية الحكمةِ واللُّطف.

ثمَّ إذا تأمَّلتَ إخراجَ ذلك النَّوْر البهيِّ من نفس ذلك الحطب، ثمَّ إخراجَ الوَرَق الأخضر، ثمَّ إخراجَ تلك الثِّمار على اختلاف أنواعها وأشكالها ومقاديرها، وألوانها وطُعومها وروائحها ومنافعها وما يرادُ منها.

ثمَّ تأمَّل أين كانت مُستودعَةً في تلك الخشبة وهاتيك العِيدان، وجُعِلت الشجرةُ لها كالأمِّ، فهل كان في قدرة الأب العاجز الضعيف إبرازُ هذا التَّصوير العجيب، وهذا التقدير المُحْكَم، وهذه الأصباغ الفائقة، وهذه الطُّعوم اللذيذة والأراييح١ الطيِّبة، وهذه المناظر المستحسَنة؟!

فسَلِ الجاحدَ: من تولى تقديرَ ذلك وتصويرَه وإبرازه وترتيبَه٢ شيئًا فشيئًا، وسَوْقَ الغذاء إليه في تلك العُروق اللِّطاف التي يكادُ البصرُ يعجزُ عن إدراكها وتلك المجاري الدِّقاق؟!

فمن الذي تولى ذلك كلَّه؟! ومن الذي أطْلَع لها الشمس، وسخَّر لها الرياح، وأنزَل عليها المطر، ودَفَع عنها الآفات؟!

وتأمَّل تقديرَ اللطيف الخبير؛ فإنَّ الأشجار لما كانت تحتاجُ إلى الغذاء الدَّائم، كحاجة النَّاس وسائر الحيوان، ولم يكن لها أفواهٌ كأفواه الحيوان، ولا حركةٌ تنبعثُ بها لتناول الغذاء؛ جُعِلت أصولُها مركوزةً في الأرض؛

  1. (١) جمعُ الجمع لكلمة «ريح»، وهي شاذة، كما في «اللسان». وتقع في كلام الجاحظ وغيره من أمراء البيان. والمصنف يستعملها أحيانًا. انظر: «زاد المعاد» (٤/ ٩١)، و«شفاء العليل» (٦٤٨).
  2. (٢) (ح): «وتربيته».
641

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي